والحال لا يليق هذا بكم
« وأنتم لها ميم « 1 » العرب ، ويا فيخ « 2 » الشرف ، والانف « 3 » المقدم ،
والسنام الأعظم » .
ولم أكن أتوقع هذا التراجع منكم ، كما لا يليق بكم ، إلّاأنّ الذي اثلج صدري معاودتكم الكر وازاحتكم لهم عن مواضعهم :
« ولقد شفى وحاوح « 4 » صدري أن رأيتكم بأخرة
تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم » .
ثم وصف ذلك عليه السلام بقوله
« حسا « 5 » بالنصال « 6 » ، وشجراً « 7 » بالرماح ، تركب أولاهم أخراهم
كالإبل الهيم « 8 » المطرودة ، ترمى عن حياضها ، وتذاد « 9 » عن مواردها » .
وممّا لا شك فيه أن صفين كانت مقابلة بين عسكرين ، ضم أحدهما أغلب الشخصيات الإسلامية من قبيل بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وأبناء الصحابة ومن البيوتات الصالحة السابقة إلى الإسلام والإيمان ، وقد كانت هذه الجماعة تحت إمرة الإمام علي عليه السلام . وبالمقابل كان الطرف الآخر يتمثل في الواقع ببقايا الجاهلية والشرك والأراذل والأوباش من طلاب الدنيا وعبدة الأهواء الذين قدموا الميدان بدينار معاوية ودرهمه واجزل لهم في العطاء ، وفي مقدمتهم عمرو بن العاص الذي لم يبايع لمعاوية حتى اشترط عليه ولاية مصر .
وعليه فعبارات الإمام عليه السلام بشأن أهل الشام والعراق كانت تمثل عين الواقع ، بعيداً عن أسلوب الحث والتشجيع والمبالغة .
هامش
( 1 ) « لهاميم » جمع « لهميم » و « لهموم » وهو السابق الجواد من الخيل والناس .
( 2 ) « يافيخ » جمع « يافوخ » وهو من الرأس حيث يلتقي عظم مقدمه مع مؤخره ، ووردت هنا كناية عن القادة .
( 3 ) « الانف » المراد به الموضع البارز من الوجه ، وتطلق العرب هذه الكلمة على المقدم .
( 4 ) « وحاوح » جمع « وحوح » صوت مع بحح يصدر عن المتألم .
( 5 ) « حس » بالفتح القتل .
( 6 ) « النصال » جمع « نصل » السهم .
( 7 ) « شجر » الطعن بالرمح .
( 8 ) « هيم » شدة العطش جمع « أهيم » أو « هائم » .
( 9 ) « تذاد » من مادة « ذود » بمعنى الطرد والدفع .