القدرة الكافية على تناول العلم في أي سن وعمر وينسجم هذا الاحتمال والعبارة القادمة ، لأنّ الإنسان كلما تقدم به العمر ازدادت مشاكله وهمومه ، كما يقل استعداده - كما يمكن الجمع بين الاحتمالين .
ثم أشار إلى الوظيفة الثانية والثالثة للُامّة بالقول :
« وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ، فانّما أمرتم بالنهي بعد التناهي » .
وعليه فوظيفة الناس أولًا : ان يرفع من مستواه العلمي ويزيد من معارفه ، لأنّ الجهل من عوامل التخلف .
وثانياً : الجد في امتثال أوامر الله وعدم نسيان وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعد وظيفة عامة . والحق أنّ السعادة ستعم الامّة لو عملت بوظائفها ونهض أئمة المسلمين بوظائفهم .
وقد برز سؤال بين شرّاح نهج البلاغة - وهو السؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل متتبع - وهو ؛ كيف اشترط الإمام عليه السلام النهي عن المنكر بانتهاء ، الشخص عنه فقال :
« فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي » ؟
رد ابن أبي الحديد على هذا السؤال بالقول : لم يرد عليه السلام أنّ وجود النهي عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهي عن المنكر ، وإنّما أراد : أني لم آمركم بالنهي عن المنكر إلّا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر . « 1 »
بينما اعتبر الشارح الخوئي هذا الرد تكلفاً وقال : الأفضل أن يقال للسائل : أنّه عليه السلام أوجب الأمرين ( دون اشتراط أحدهما بالآخر ) والعبارة الأخيرة إشارة إلى الانتهاء عن المنكرات التي أكدت أكثر عن وجوب النهي عن المنكر . لانّ اصلاح النفس مقدم على اصلاح الآخرين . « 2 »
إلّا أنّ الأفضل أن يقال : إنّ الانتهاء عن المنكر لشرط كمال النهي عنه ، لا شرط وجوبه ، لأنّ الإنسان حين يرتكب الذنب ويريد نهي الآخرين عنه ، سوف لن يكون لكلامه من تأثير ، ولو علم الناس منه ذلك لسخروا منه وقالوا :
« طبيب يعالج الناس وهو عليل » .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 170 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة للمرحوم الخوئي 7 / 251 .