يبتعد عن الآمال التي لا تستند لأيالمنطق ، ولا يتجاوز حدود نفسه ، ولا يضع نفسه في موضع ليس له باهل ، فلا يعبث بماء وجهه وقدره . على غرار ما ورد في بعض الروايات :
« رحم الله من عرف قدره ، ولم يتجاوز حده » « 1 » .
والثالث : أنّ المراد هو أنّ الإنسان موجود قيم له استعدادته العالية ، فلا ينبغي أن يبيع هذه الجوهرة الثمينة برخص ولايزهد في نفسه وإمكاناته ؛ الأمر الذي ورد في الشعر المنسوب لأمير المؤمنين علي عليه السلام إذ قال :
أتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
وبالنظر إلى إمكانية استعمال اللفظ لأكثر من معنى ، حيث يعد ذلك من جمالية الكلام وبدائعه ، فلا يبدو من المستبعد الجمع بين هذه الاحتمالات الثلاث في تفسير الكلام المذكور ؛ وإن كانت العبارات القادمة أنسب للمعنى الثاني والثالث .
ثم واصل عليه السلام كلامه بالتعريف بمن تشبه من العلماء من الجهال البعيدين عن الحق والصواب فقال عليه السلام :
« وإن من أبغض الرجال إلى الله تعالى لعبدا وكله الله إلى نفسه ، جائراً عن قصد السبيل ، سائراً بغير دليل » .
طبعا لا يسع الإنسان ما لم تحفه عناية الله والطافه ان يتجاوز هذه الموانع والآفات الخطيرة التي تعترض طريقه ، فإذا وكلّ إلى نفسه فسوف لن تكون عاقبته سوى المهلكة ؛ فهو ينحرف عن الصراط ، ويفقد الدليل فيسير على عمى وضلال .
ثم وضح ذلك عليه السلام بالقول أنّه اغتر بالدنيا وخدع بها بحيث لا يعمل إلّالها ولا يجهد نفسه إلّا من أجل الحصول على متاعها :
« إن دعي إلى حرث الدنيا عمل ، وإن دعي إلى حرث الآخرة كسل » .
فهو نشط من أجل الدنيا ، كسل من أجل الآخرة ، وذلك لضعف ايمانه بالآخرة وعدم اعتقاده بالوعد والوعيد الإلهي . فلم يبصر سوى الدنيا وينسى الآخرة .
ومن هنا إختتم عليه السلام كلامه بهذا الشأن بالقول :
« كأن ما عمل له وأحب عليه ، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه » « 2 » .
هامش
( 1 ) اشتهرت هذه العبارة التي يطلقها العلماء بالاستفادة من الأحاديث .
( 2 ) « ونى » بمعنى ضعف وتعب .