وقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى هذه المعاني ، ومن ذلك الآية الشريفة : « خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ . . . » « 1 » والآية « يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ » « 2 » .
ثم قال عليه السلام :
« قد الجمهم العرق ، ور جفت « 3 » بهم الأرض » .
فهل هذا العرق بسبب حرارة محيط المحشر ، أم من شدة الخجل ، أم كلاهما ؟ وهل رجف الأرض بسبب أعمالهم ، أم هكذا هي طبيعة محكمة العدل الإلهي ، بحيث ينشغل الجميع بأنفسهم ويعترفوا بكل ما اقترفوا ؟
كيفما كان فالأجواء هناك مرعبة مهولة للغاية .
وقد صرحت الآيات والروايات الإسلامية بالعوامل التي تدعو إلى الخوف والخشية في ذلك اليوم ( نسأل الله أن يشملنا جميعاً برحمته وألطافه ويجنبنا هلع ذلك اليوم ) .
وقد ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة - كديدنهم في سائر الموارد - إلى أن الألفاظ المذكورة كناية عن الأمور الباطنية والروحية ، والحال ليست هناك آية قرينة تدعو إلى مثل هذا التأويل - ولو فتح الباب لمثل هذه التأويلات بشأن الآيات والرويات وباب التفسير بالرأي وأن يسطر الإنسان كل ما يفهمه من الآية والرواية ، أو الأسلوب الذي يعتمده بعض من يتسمى بالانفتاحي والذي يكمن في القراءات الجديدة للآيات والروايات ، فمن المسلم به لسوف تزول إصالة المتون الدينية ، ولا يبقى من شيء للاستدلال بالمسائل العقائدية والعلمية .
ثم أشار عليه السلام في ختام هذا القسم من الخطبة إلى معضلة أخرى من معضلات القيامة :
« فأحسنهم حالًا من وجد لقدمية موضعاً ، ولنفسه متسعاً » .
فالعبارة تشير إلى زحام الناس وضيق المكان ، حيث يفهم من الروايات أنّ هول المحشر ووحشة حساب الأعمال مسألة عامة تشمل كافة أهل المحشر ؛ وذلك لأن خلص عباد الله أيضاً يخشون الحساب ! فلهول المحشر عدة عوامل ، يكمن أحدها في ضيق المكان الذي ورد في هذه العبارة .
هامش
( 1 ) سورة القمر / 7 .
( 2 ) سورة المطفقين / 6 .
( 3 ) « رجف » من مادة « رجف » على وزن ربط تعني الاضطراب ، ولما كانت أخبار الفتن تدعو لاضطراب المجتمع فقد اصطلح عليها بالاراجيف .