فأدى أمينا ، ومضى رشيدا ؛ وخلف فينا راية الحق » .
فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة إلى الخدمات الجليلة التي أسداها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، إلى جانب ابلاغه لأوامر الحق ونواهيه ، كما شرح من جانب آخر كل ما يلزم لمعرفة الله سبحانه ، وأنّه صلى الله عليه وآله كان أميناً في قيامه بهذه المهمة في أداء الرسالة ، كما عمل صلى الله عليه وآله بما قال ليكون للُاخرى أسوة صالحة ، كما كان حريصاً على الأجيال القادمة فنصب لهم راية الحق ، حيث خلف في الامّة كتاب الله وسنته .
واختلف الشرّاح في تفسير المراد بقوله :
« راية الحق »
فذهب البعض الر أن المراد به القرآن الكريم ، وقيل الكتاب والسنة ، كما فسر بالكتاب والعترة اللذان وردا في حديث الثقلين .
إلّا أنّ تفسيرها بالكتاب والسنة ( لأنّ الكتاب دعا إلى السنة ) أنسب بالنظر لتصدر الكلام بالعبارة :
« دليلها مكيث الكلام » .
ثم أضاف عليه السلام قائلًا :
« من تقدمها مرق « 1 » ، ومن تخلف عنها زهق « 2 » ومن لزمها لحق » .
فالعبارة تشير إلى كيفية التعامل الطوائف الثلاث من الناس مع الحق : طائفة مفرطة تتقدم على الحق فتصيبها الحيرة والضلال كالخوارج الذين ذهبت بهم الظنون بأنّهم إنّما يعملون بالقرآن فتقدموا على إمام زمانهم فعاشوا بحماقتهم ذلك التناقض ، أو كأولئك الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فرأوه أفطر حين سافر فزعموا أنّهم لايفطرون رعاية طرحة شهر رمضان حتى تسموا بالعصاة « 3 » الطائفة الثانية من أهل التفريط الذين يتقدمون بضع خطوات في الحق ثم تحول أهوائهم وضعفهم دون مواصلة الطريق .
والطائفة الثالثة الملازمة للحق التي لا تتقدم عليه ولا تتخلف عنه ؛ فهي تتحرك دائماً في ضل الحق حتى تبلغ أهدافها . « 4 »
هامش
( 1 ) « مرق » من مادة « مروق » على وزن غروب الخروج عن الدين ، ومن هنا اطلق الخوارج على تلك الفرقة التي خرجت عن الإيمان .
( 2 ) « زهق » من مادة « زهوق » الاضمحلال والهلكة .
( 3 ) وسائل الشيعة 7 / 125 ، ح 7 ( أبواب من يصح منه الصوم ) .
( 4 ) يمكن أن يكون مفعول لحق كتاب الله أو رسول الله أو الحق أو جميعها .