وقصته مع الجنّة وما تضمنته من عبر ومن ثم هبوطه إلى الأرض ، وتقسيم الأرزاق وتعيين الآجال . ولما فرغ من ذلك واصل حديثه في هذا المقطع من الخطبة عن علم اللَّه سبحانه بكل شيء وكل شخص وفي كل زمان ومكان ، والعالم بكافة الخفايا والاسرار . فقد أورد الإمام عليه السلام ذلك بعبارات دقيقة رائعة ، مؤكداً على تفاصيل هذه الأمور ، بحيث يشعر الإنسان بكل كيانه أنّ العالم برمته حاضر لدى الله بكل حركاته وسكناته ؛ وهو الشعور الذي يلعب دورا ، حيوياً في تربية الإنسان وسوقه نحو الخير والاحسان .
فقال عليه السلام :
« عالم السر من ضمائر المضمرين ، ونجوى المتخافتين وخواطر رجم الظنون ، وعقد عزيمات اليقين » .
فالعبارة تفيد علمه سبحانه بكل شيء : ما يقتدح في الأذهان ، وما يمثل في الواقع ، وما يجري في الأوهام والظنون ، والشك والترديد ، وما يجول في باطنه ونجواه وهمسه مع الآخرين ، ثم قال عليه السلام :
« ومسارق « 1 » إيماض « 2 » الجفون ، « 3 » وما ضمنته أكنان القلوب ، وغيابات الغيوب ،
وما أصغت لاستراقه مصائخ « 4 » الأسماع »
، ولما كانت أهم مصادر علم الإنسان تكمن في قلبه ( عقله ) وعينه واذنه ، كما صرح بذلك القرآن الكريم : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 5 » واللَّه محيط بجميع هذه المصادر ؛ فهو عليم بكافة خفايا الإنسان وأسراره . ثم تجاوز عليه السلام خفايا الإنسان وما تنطوي عليه جوانحه ليتجه صوب أصغر الكائنات ، ليكشف عن علمه سبحانه وتعالى بخفايا وأوكار الهوام والحشرات وآهات الألم وأصوات الحزن ووقع الاقدام :
« ومصائف « 6 » الذر ،
هامش
( 1 ) « مسارق » جمع « مسرق » من مادة « سرقة » النظر خلسة .
( 2 ) « ايماض » من مادة « ومض » على وزن رمز اللمعان القصير والمخفي .
( 3 ) « جفون » جمع « جفن » على وزن جفت ، بمعنى جفن العين .
( 4 ) « مصائخ » جمع « مصيخة » من مادة « صوخ » على وزن صوت الشق ، والمراد هنا شق الاذان الذي يسمع بهالإنسان الأصوات .
( 5 ) سورة النحل / 78 .
( 6 ) « مصائف » جمع « مصيف » موضع اقامتها في الصيف .