نقضها ضعف إرادته فيتوجب عليه الاستعاذة باللَّه منه . أو يمكن أن يكون طرفها الأول الإنسان والطرف الآخر اللَّه سبحانه تعالى بحيث يكون هذا المعنى مقدرا في العبارة السابقة « 1 » ، وعلى وهذا الضوء فهي إشارة إلى جميع العهود والمواثيق الشرعية التي يعاهد الإنسان فيها اللَّه سبحانه ولا يلتزم بها . وذلك لأنّ الكثير من الأفراد يعاهدون اللَّه في الشدائد والنوائب فإذا ما كشفت عنهم نسوا تلك العهود ؛ الأمر الذي صرح به القرآن الكريم قائلًا : « وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ * فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ » « 2 » . أمّا في الدعاء الثالث فالإمام عليه السلام يستعيذ باللَّه من الرياء والنفاق ويسأل اللَّه العفو والمغفرة فيقول :
« اللّهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ، ثمّ خالفه قلبي »
فالتظاهر بالأعمال الحسنة - من خلال اللسان أو الرياء في العبادات وسائر الطاعات - يعد من أخطر شعب الشرك ، الأمر الذي أكد التحذير منه في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية ، غير أنّ الذي يؤسف له هو أنّ الرياء والنفاق من الأعمال الشائعة التي تكبد الإنسان أضرارا تفوق التصور ، حيث يفيد هذا الأمر أنّ مثل هذا الإنسان لا يؤمن في الواقع بتوحيد اللَّه على مستوى الأفعال ، ولا غرو فهو يرى العزة والذلة بيد الناس ويؤثر ولاية الناس ومحبتهم على ولاية اللَّه ومحبته . بينما إذا علم هذا الإنسان بأنّ العزة والذلة بيداللَّه ، يعز من يشاء ويذل من يشاء وأنّ القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه يقلبها كيف يشاء ، فانّه لا يسأل سوى اللَّه ولا يعمل إلّاله سبحانه . ولا يقتصر التناقض بين القول والنية بالنسبة للرياء ، بل إنّ كل تناقض إنّما يشمل الظاهر والباطن ، فكل ما ينطق به الإنسان ولا يلتزم به حين العمل ، أو أن يعزم على خلافه إنما يشير إلى تناقض الظاهر مع الباطن ، وإن لم يكن قد قصد الرياء . فقد صرح القرآن الكريم بهذا الخصوص قائلًا : « يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » « 3 » أننا لنناجي الحق سبحانه وتعالى في صلواتنا اليومية « إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين » والحال قد تعيش قلوبنا عباة أخرى واستعاذة ثانية ، كما نتشهد في صلواتنا بالوحدانية للَّه « أشهد أن لا إله إلّااللّه وحده لا شريك له »
هامش
( 1 ) وتقدير العبارة : « وأيت من نفسي مع ربي » .
( 2 ) سورة التوبة / 75 - 76 .
( 3 ) سورة الصف / 2 - 3 .