ليعبئ الامّة ضد علي عليه السلام ، كما وظف طائفة من كهول الشام التي كانت تقيم مراسم العزاء وتبكي عثمان في المسجد بما يثير مشاعر الناس . فقد قال الإمام عليه السلام في إطار ردّه لمزاعم بنيامية :
« أولم ينه بني أميّة علمها بي عن قرفي ؟ « 1 » أو ما وزع « 2 » الجهّال سابقتي عن تهمتي ! « 3 » »
فبني أمية وإن جانبوا الحق والانصاف ، إلّاأنّهم كانوا ينبغي أن يعلموا صفات الإمام عليه السلام وأنّه لا يظلم أحداً ولايلطخ يده بدماء الآخرين عبثاً ، كما يعلمون جيداً سوابقه وفضائله ومنها أنّ النبي صلى الله عليه وآله خاطبه بأخيه وناداه أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وفيه وفي أهل بيته نزلت آية التطهير وقد فوض إليه النبي صلى الله عليه وآله أغلب أعماله سرية ، فهذه التهم رخيصة ، فالإمام عليه السلام لم يشترك في قتله ولا قتل غيره ، كما بالغ في الدفاع عنه وإن كان يراه مقصراً ، لكن دون حد القتل . فقد وعظه الإمام عليه السلام وحذره من مغبة أفعاله ، كما دعى تلك الجماعة التي قامت ضده إلى التحلي بالصبر والحلم واعتماد الأساليب السلمية في حل النزاع ، بينما بقيت بنيأمية ساكتة دون ان تحرك ساكناً . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا :
« ولما وعظهم اللّه به أبلغ من لساني »
أولم يقرأوا قوله سبحانه في كتابه العزيز : « يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » « 4 » أو لم يسمعوا قوله سبحانه : « وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْما مُبِيناً » « 5 » . ثم أشار عليه السلام إلى فضيلة أخرى من فضائله فقال :
« أنا حجيج « 6 »
المارقين ، وخصيمالنّاكثين المرتابين » ،
وقد اختلفت أقوال المفسّرين في محاجته عليه السلام للمارقين في الدنيا أم الآخرة . أشار ابن أبي الحديد « 7 » أنّه أراد يوم القيامة حيث روي عنه عليه السلام أنّه
هامش
( 1 ) « قرف » على وزن حرف تعني في الأصل فصل قشرة الشئ كقشرة الشجرة ، ولما كان تحري العيوبيؤدي إلى ضياع شخصية الأفراد ، فانّ هذه الكلمة تستعمل بمعنى الاتهام .
( 2 ) « وزع » من مادة « وزع » على وزن وضع بمعنى المنع ، كما وردت بمعنى الجمع . لأنّ جمع الشئ يتطلب منع تشتت افراده ، ولعل « التوزيع » بمعنى التقسيم ، لأنّ تقسيم الشئ يتطلب جمعه ثم تقسيمه .
( 3 ) « تهمة » من مادة « وهم » تعنى في الأصل الظن السيئ ( وقد وردت هذه المفردة بفتح الهاء وضمها ) ، كما تعني التهمة البهتان ، وهذا هو معناها في العبارة الواردة في الخطبة .
( 4 ) سورة الحجرات / 12 .
( 5 ) سورة النساء / 112 .
( 6 ) « حجيج » من مادة « حج » بمعنى قصد الشئ ، ومنه « المحاجة » لمن يحاور العدو بقصد التغلب عليه ، وحجيج المارقين خصيمهم ، والمارقون هم الخارجون من الدين .
( 7 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد 6 / 170 .