متى تسنح له الفرصة ، فقد كان تبعا لهواه ، ولم يك للعزة والشرف والالتزام الأخلاقي والشرعي من أهمية لديه . ثم أخبر الإمام عليه السلام عن ثلاثة أمور غيبية بشأن مروان ، يكمن الأول فيها في استيلائه على الخلافة لمدة قصيرة :
« أما إنّ له إمرةً كلعقة « 1 » الكلب أنفه »
فالكلب حين يزج برأسه في جيفة ليتناول ممّا فيها ، يعلق مقدارا من بقايا تلك الجيفة على أنفه فيمد لها لسانه بغية تناوله وتنظيف ما علق بأنفه . ويمثل هذا التعبير بشأن قصر حكومة مروان منتهى البلاغة والفصاحة ، وهو من قبيل :
« المقال المطابق لمقتضى الحال » .
نعم فهو كالكلب الذي إنقض على جيفة الحكومة اللامشروعة لآل أمية ، ولمدة فصيرة رآها بعض المؤرخين أربعة أشهر وعشرة أيام وقيل ستة أشهر ، وأكثر مدة صرح بها المؤرخون هي تسعة أشهر ، وهكذا تحققت نبوءة الإمام عليه السلام بشأنه حتى قتل على يد زوجته كما سنعرض لذلك في البحث القادم . الأمر الثاني الذي تنبأ به الإمام عليه السلام :
« وهو أبوالأكبش « 2 » الأربعة »
والأكبش جمع كبش الحيوان الهائج المعروف حيث يشترك معه ولد مروان بهذه . وذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ المراد بالأكبش الأربعة من ولد مروان هم : عبد الملك الذي ولى الخلافة بعده وعبد العزيز الذي ولي مصر وبشر في العراق وأمّا محمد فولي الجزيرة ، وقد ورث كل منهم الشر عن أبيه .
وبالطبع فانّ أولاد مروان كثيرون ، إلّاأنّ هؤلاء الأربعة قد ولوا الحكومة واليهم أشار الإمام عليه السلام بكلامه . بينما ذهب البعض الآخر من الشرّاح إلى أنّ المراد بالأكبش الأربعة حفدة مروان من ولد عبد الملك وهم : الوليد وسليمان ويزيد وهشام ، ولم يل الخلافة من بنيأمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلّاهؤلاء . ومن هنا فقد رجح البعض القول الثاني لانسجامه والنبوءة الثالثة التي وردت في كلام الإمام عليه السلام :
« وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوماً أحمر »
وهذه النبوءة هي الأخرى تحققت ، وقد ولي هؤلاء الأكبش الخلافة الواحد بعد الآخر فاراقوا الدماء وقتلوا طائفة عظيمة من الأبرياء ، لتحقق نبوءة الإمام عليه السلام بقوله :
« يوماً احمر »
من خلال تلك الفضائع والجرائم التي ارتكبوها ، وأفضل شاهد على ذلك الجنايات التي اقترفها والي الكوفة على عهد عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي .
هامش
( 1 ) « لعقة » من مادة « لعق » على وزن لعب بمعنى لَحسه و « العقة » اسم مرة « يعني لعق أو لحس مرة واحدة » .
( 2 ) « أكبش » جمع « كبش » بمعنى مذكر الغنم أو الخروف بأي عمر كان تطلق العرب هذه المفردة على رئيسالقوم وزعيمهم فيقال : كبش القوم وكبش الكتيبة .