الأفراد وانها تقترب بمرور الزمان من نهايتها ، وقد كان تعبيره بمنتهى الروعة لتصوير قصر عمر الدنيا وسرعة زوالها ، فالسملة تعنى الشئ الزهيد الذي لا قيمة له ، وتطلق على ما يتبقى من الماء في الاناء ،
و « جرعة المقلة »
تطلق على المسافر الذي يشكو من قلّة الماء فيسعى للحصول على الماء لادخاره ، أجل فعمر الدنيا قصير إلى درجة أنّه لا يروي ظمأ من تعلق به ، فما أحرى العاقل أن يفيق إلى نفسه وينأى بها بعيداً عن الاغترار به ، فينهمك بالآخرة ويسرع في السير إليها . ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى النتيجة الواضحة
« فازمعوا « 1 » عباداللَّه الرحيل عن هذه لدار المقدور على أهلها الزوال ولا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولن عليكم فيها الأمد » « 2 »
. إنّ الإنسان راحل عن هذه الدنيا شاء أم أبي ، ومراد الإمام عليه السلام إرحلوا بعلم وعبرة واغتنموا الفرصة وسيروا على النهج بالعمل الصالح والخلق الرفيع والمعرفة باللَّه لتنالوا سعادة الآخرة والخلود في نعيمها . فقد نبه عليه السلام إلى الخطرين الكامنين في الطريق فقال :
« ولا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولن عليكم فيها الأمد » ؛
الأمر الذي أرشد القرآن الكريم إليه بقوله : « أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » « 3 » ونؤكد مرة أخرى أنّ العبارات لا تفيد ترك الدنيا والرهبانية فيها وعدم الإكتراث إلى الحياة ، بل تفيد عدم التعلق بزخا رف الدنيا والاغترار بها ، وبعبارة أخرى فالمراد التعامل مع الدنيا كما هي ، لا على أساس الوهم والخيال وما تمليه علينا أهوائنا وشهواتنا .
لا أحد يعتقد بالخلود في هذه الدنيا ، فهي آيلة إلى الزوال والفناء وأنّ الإنسان سيودعها يوماً ليودع خده التراب في تلك الحفرة ، إلّاأنّ زينة الدنيا وزبرجها قد تلقى بحجابها على هذا الواقع بحيث قد ينسى الإنسان الموت بالمرة ، أو يتناسى تلك الحقيقة المرة ، فينطلق في نشاطاته
هامش
( 1 ) « أزمعوا » من مادة « زمع » بمعنى العزم على الشئ ، ولذلك قيل إن هذه المفردة قلبت من عزم أي نقلتفيها حرفي الزاء والميم من مكان إلى آخر ، وقيل كانت في الأصل جمع ثم بدلت إلى زاء ، والمفردات الثلاث ( عزم وزمع وجمع ) بمعنى واحد وهو التصميم والعزم على الشئ .
( 2 ) « أمد » على وزن صمد أجل الشيوتأتي بمعنى الغضب ، لأنّ صبر الإنسان ينفد حين الغضب .
( 3 ) سورة الحديد / 16 .