كما أنّ مختلف ملامحها في الحياة الإنسانية هي الأخرى قد أخبرت عن هذا الفناء ، وبالتالي فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بها ويعيش الخسران .
وهى كما صورها الشاعر :
هي الدنيا تقول بملء فيها * حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرنكم حسن إبتسامي * فقولي مضحك والفعل مبك
ثم قال عليه السلام :
« وتنكر معروفها وأدبرت حذاء » « 1 »
كيف لا وغضاضة الشباب وطراوة الفتوة ونظارة الوجه آيلة إلى الكهولة والعجز والشحوب ، ثم وصف الدنيا عليه السلام بقوله :
« فهي تحفز « 2 » بالفناء سكانها وتحدوا بالموت جيرانها »
فالعبارة تفيد حركة الإنسان نحو أجله ومصيره المحتوم شاء ذلك أم أبي . والحدي الصوت الذي يردد لتعجيل حركة الناقة ، فما أروع هذا التعبير الذي يفيد توفر جميع العوامل التي تدعو الإنسان لحث الخطى والسرعة في الحركة إلى الزوال والفناء . أمّا التعبير بالجيران بعد السكان فكأنّه يفيد أنّ محل سكن الإنسان ليس في هذا العالم ، فهو جاره وليس بصاحبه ، أي أنّه مفارقه لا محالة ! ثم قال عليه السلام :
« وقد أمر « 3 » منها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا » .
فَّما أسرع نهاية مرحلة الطفولة والشباب الحلوة العذبة لتستبدل بمرارة الشيخوخة والكهولة فيعد الاستقرار إضطراباً والحصة سقماً والراحة تعباً ، وقيل في تفسير هذه العبارة إنّها إشارة إلى اختلاف ظاهر الدنيا وباطنها ، فظاهرها حلو وباطنها مرّ ، ظاهرها عذب وباطنها علقم ، غير أن التمعن في العبارات السابقة يفيد أنّ التفسير الأول أنسب . ثم يختتم عليه السلام حديثه عن الدنيا بالقول
« فلم يبق منها الاسملة كسملة « 4 » الإداوة « 5 » أو جرعة كجرعة المقلة لو تمززها « 6 » الصديان لم ينقع »
فالعبارة إشارة إلى حياة كل فرد من
هامش
( 1 ) « حذاء » من مادة « حذ » على وزن حظ بمعنى السريعة الذهاب ، ومن هنا يطلق الحذاء على الدابة السريعة ، والمراد هنا سرعة أجل الدنيا .
( 2 ) « تحفز » من مادة « حفز » على وزن حبس بمعنى تعجلهم وتسوقهم ، وقد ورد في الحديث الشريف أنحفز الموت من علامات القيامة . قيل وما حفز الموت . قال صلى الله عليه وآله : موت الفجأة ( لسان العرب ) .
( 3 ) « مر » على وزن « شر » بمعنى المضي والعبور ومر على وزن حر ضد الحلو ، وأمر » من مادة « مُر » بمعنىمضي الزمان يجعل حلاوة الدنيا مرارة .
( 4 ) « سملة » من مادة « سمل » على وزن حمل بمعنى البقية من الماء تبقى في الإناء ، ومن هنا كان الاسمال بمعنىالإصلاح لأنّه يزيل ما بقي من الأحقاد والأضغان .
( 5 ) « إدواة » على وزن إدارة القربة الصغيرة من الجلد .
( 6 ) « تمزز » من مادة « مز » على وزن حز بمعنى التذوق والامتصاص والأكل وقال صاحب مقاييس اللغةامتصاص الماء تدريجياً وببطئ .