أدهى الناس » « 1 »
وقال عليه السلام :
« أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؛ واللَّه لا أطور به ، ما سمر سمير ، وما أم نجم في السماء نجماً » « 2 »
والاختلاف بين هاتين الرؤيتين في السياسة الإلهية والسياسة الشيطانية هو الذي يجعل بعض الأفراد يشكلون أحياناً على الساسة الربانيين ويحملون أعمالهم على السذاجة وعدم المعرفة بفنون السياسة ، بينما يغفلون عن حقيقة كبرى وهى أنّ هؤلاء الأفراد إنّما يحثون السير إلى عالم آخر لا تجيز مبادئه وضوابطه التشبث بأي أسلوب وطريقة . فمثلًا لما غلب معاوية أهل العراق على الماء منعهم منه ، فلما حمل أهل العراق انكشف أهل الشام عن الماء ، وملك أهل العراق المشرعة - فقال أصحاب علي عليه السلام : أمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك - فقال : « لا ، خلوا بينهم وبينه ، لا أفعل ما فعله الجاهلون . « 3 » والّا عجب من ذلك عدم التفات رسولاللَّه صلى الله عليه وآله إلى أصحابه الذين أشاروا عليه بمنع اليهود الماء حين محاصرة قلاع خيبر فلم يجبهم صلى الله عليه وآله » « 4 » ويتعجب أولئك الغافلون حين يسمعون مسلم بن عقيل وقد امتنع عن قتل ابن زياد غيلة في دار هانئ بن عروة قائلًا :
« الإيمان قيد الفتك » « 5 »
. أضف إلى ذلك فانّ علياً عليه السلام امتنع عن قتل عمرو بن العاص في صفين حين كشف عن عورته . فكل هذه الأمور لايرونها تنسجم والسياسة ، بل السياسي الفذ في نظرهم من يدافع عن العهدو والمواثيق ويلتزم بالمبادئ إذا كانت تجري لصالحه ، وإلّا فلابدّ أن يضربها جميعا عرض الحائط . فالسياسي الورع والمتقي يرى النصر على الأعداء إنّما يحتل الدرجة الثانية ، والدرجة الأولى تتمثل بحفظ المبادئ ورعاية القيم والمثل . والجدير بالذكر ما أورده ابن أبي الحديد في شرحه لنهجالبلاغة حين تحدث عن مروءة ووفاء أحد أحفاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو إبراهيمبن عبداللَّه فقال : « وكان لغير إبراهيم عليهالسلام من آل أبي طالب من هذا النوع أخبار كثيرة ، وكان القوم أصحاب دين ليسوا من الدنيا بسبيل ، وإنّما يطلبونها ليقيموا عمود الدين بالامرة فيها ، فلم يستقم لهم ، والدنيا إلى أهلها أميل » .
هامش
( 1 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 200 ، وروي عنه عليه السلام أنّه قال : « لولا التقى - أو لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب » . شرحنهجالبلاغة لابن أبي الحديد 1 / 28 .
( 2 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 126 .
( 3 ) تأريخ الطبري 3 / 569 .
( 4 ) سيد المرسلين 2 / 408 تقلًا عن السيرة الحلبية 3 / 40 .
( 5 ) بحارالانوار 44 / 344 .