غادر لواء يعرف به يوم القيامة » « 1 »
. ولما كان انحراف المجتمع عن المبادئ الأخلاقية يقود إلى تنكر القيم وتبدلها ، حتى يعد العهد والمكر والخداع كياسة والالتزام بالعهود سذاجة وبلاهة فقد قال الإمام عليه السلام
« ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحلية » !
نعم فانّ قيم المجتمع إذا تنكرت بفضلها المعيار والمحك للحسن من القبيح فانّ ظهور مثل هذا الخلط لا يبدو مستغرباً ، فمن الطبيعي أن يصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ، والملك شيطاناً والشيطان ملكاً وقديساً . وممّا يؤسف له أنّ هذه الظاهرة قد تفشت وبشكل واسع في عالمنا المعاصر فقد ينظر إلى الثعالب المكرة في السياسة العالمية على أنهم الساسة المهرة ، بينها يرمون بالسذاجة وانعدام التجربة من يلتزم بالعهود والمواثيق ويراعون القيم الإنسانية والإلهية في سياستهم ، وما أصعب العيش في مثل هذا العالم ، وبالطبع فانّ نقض العهود واعتماد الكذب والخداع قد يجر على صاحبه بعض المنافع على المدى القريب ويحظى بمديح هذا وثناء ذاك ، إلّاأنّ المفروغ منه أن عرى المجتمع إنّما تؤول إلى التصدع والانهيار على المدى البعيد . ومن هنا فان الأفراد من أهل الإيمان والوفاء إنّما يسعون لتحصين أموالهم وحفظ ثرواتهم من خلال الأمانة واحترام العهد في المعاملة ، والدولة هي الأخرى مدعوة لرعاية هذا الأمر من أجل كسب ثقة سائر البلدان واستقطابها لضمان مصالح البلاد الاقتصادية . ومن هنا صرحت الرواية
« الأمانة تجلب الغنى والخيانة تجلب الفقر » . « 2 »
ولا شك أنّ هناك رابطة حميمة بين الأمانة والوفاء ، رغم كونهما مفهومين منفصلين ، ولذلك قال أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« الأمانة والوفاء صدق الأفعال » « 3 »
. قال أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ويدعى عبد الرحمن بن سبابه : ساءت حالي بعد وفاة أبي فلما حججت البيت رأيت الإمام الصادق عليه السلام فقال لي : أعظك ؟ قلت بلى جعلت فداك ، قال :
« عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك الناس في أموالهم هكذا - وجمع بين أصابعه - قال فحفظت ذلك عنه ، فزكيت ثلاثمأة ألف درهم » . « 4 »
هامش
( 1 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 200 .
( 2 ) بحارالانوار 72 / 114 .
( 3 ) غرر الحكم ح 83 - 2 .
( 4 ) فروع الكافي 5 / 124 .