ثانياً : أنّه ينسب هذه الحادثة المريرة إلى الدهر ، ونعلم أن الدهر لا يعني سوى أهله ، وإلّا فبزوغ الشمس والقمر وهطول المطر وهبوب الرياح وسائر الظواهر الطبيعية ليست على شئ حتى تخلق مثل هذه الحوادث فالناس وبفعل أعمالهم الشائنة هم الذين يكونون السبب لمثل هذه الحوادث !
ولا شك إنّ هذه الحادثة لم تكن لتقع لوطاع أهل العراق الإمام عليه السلام والتفتوا إلى تحذيراته واتعظوا بنصائحه . والمراد بالخطبب الفادح قضية التحكيم التي جرت الويلات على العالم الإسلامي .
صحيح أنّ قضية التحكيم - كما سيمر علينا في البحث القادم - لم تغير من حقيقة الأمر شيئاً ، الا أنّها كانت ذريعة كبرى لمعاوية ورهطه من أجل إغواء الجهال وتحريف الأفكار ، كما أدت إلى ظهور البدع في العالم الإسلامي .
وقوله عليه السلام
« حدث جليل »
هو تأكيد آخر لاثار السوء لتلك البدعة المشؤومة .
ثم يردف عليه السلام الحمد والثناء بالشهادة لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالعبودية والنبوة
« وأشهد أن لا اله إلّاالله لا شريك له ، ليس معه إله غيره ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله »
فالاتيان بالشهادتين في مطلع الخطبة وأن تضمن التأكيد من جديد على لزوم تقوية دعائم التكامل الإنساني وإحياء الأصول العقائدية الإسلامية ، إلّاأن يشير إلى قضية الحكمين ، وذلك أن الامّة قد جاوزت أصل التوحيد واتجهت صوب أفعال الشرك وتجاهلت التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله فاستسلمت لأهوائها .
ثم تطرق عليه السلام إلى الهدف الأصلي من الخطبة
« أما بعد ، فان معصية الناصح الشفيق العالم المجرب « 1 » تورث الحسرة وتعقب الندامة » .
فالعبارة بمنزلة الكبرى وبيان قاعدة كلية في أنّ المستشار إذا تحلى بأربع صفات فانّ مخالفته توجب الندامة والحسرة لا محالة . الأولى صفة النصح وإرادة الخير ومقتضى ذلك السعي لاحقاق الحق .
الثانية القلب المفعم بالعطوفة والرأفة والحب وإرادة السعادة والخير النابعة من أعماق
هامش
( 1 ) « مجرب » على وزن محقق ممن يتمتع بمعرفة عظيمة بفعل كثرة التجارب إلّاأنّ العرب تلفظه مجرببالفتح على وزن مقرب .