التأثير بسبب غفلة المقابل فان تكراره لا ينطوي سوى على الملل والتعب . ثم قال عليه السلام :
« أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ؟ وبالذل من العز خلفا ؟ »
إنّ هذا سكوتكم المميت وفراركم من الجهاد يدل على أنكم أوبقتم آخر تكم واستبدلتموها ببضعة أيام من الدنيا من جانب ، ومن جانب آخر فقد أفريتم دنياكم ، وذلك لأنكم استبدلتم العزة والرفعة بالذلة والضعة ؟ والحال إن موتاً بعزة أشرف بكثيرمن حياة بذلة ؛ الرسالة التي لقنها أولياء الله والزعماء الربانيين أتباعهم على مدى العصور والدهور . فقد قال علي عليه السلام في نهج البلاغة
« فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين » « 1 »
وقال سيد الشهداء
« ألا وإنّ الدعي بن الدعي قد ركزني بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة »
ثم خاطب جيش الكوفة
« إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخشون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم »
فالواقع أنّ عبارات الإمام عليه السلام كانت تمثل دليل سئمه عتابهم وكأنّهم عقدوا العزم على إيثار الذلة والحقارة وغضب الله على العزة والشرف ورضى الله ، ومن هنا لم يعد للعتاب من أثر عليهم ، حتى سئم الإمام عليه السلام عتابهم . أمّا في العبارة اللاحقة فيشير الإمام عليه السلام إلى ضعفهم ليلتفتوا إلى أنفسهم فيزيلوا ذلك الضعف فقال عليه السلام :
« إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم ، فأنّكم من الموت في غمرة « 2 » ومن الذهول في سكرة . يرتج عليكم حواري « 3 » فتعمهون « 4 » »
. قوله عليه السلام « يرتج عليكم حواري » - بالنظر إلى الحوار الذي يعني الكلام المكرر ويرتج من مادة ( رت ج ) بمعنى يغلق - له معنيان : الأول ما ذكر سابقاً ، أي أنّ كلامي المكرر لا يؤثر فيكم فأنكم لا تدركوه ، لأنّ باب الفهم أغلق بوجوهكم . والثاني أنّ لسانكم عقد عن جوابي ، وذلك لأنّكم لا تمتلكون الرد المنطقي على كلامي - على كل حال فانّ نتيجة المعنيين واحدة تضمنتها العبارة اللاحقة وهى حيرتهم وضلالهم
« وكأن قلوبكم مألوسة « 5 » فأنتم لا تعقلون » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 51 .
( 2 ) « غمرة » الواحدة من غمر وهو الستر ، وغمرة الموت الشدة التي ينتهي إليها المحتضر ، وهى الحالة التيكان يعيشها جيش الكوفة .
( 3 ) « حوار » من مادة « حور » بمعنى الرجوع وتطلق على المحادثة بين الأفراد والتي يصطلح عليها بالمحاورة ، وقد وردت بهذا المعنى في العبارة .
( 4 ) « تعمهون » من مادة « عمه » بمعنى تتحيرون وتتردون .
( 5 ) « المألوسة » من مادة « ألس » تعني فقدان العقل ، ومن هنا تستعمل حيث الخدعة التي تسلبِ عقل المقابل ، وهى تعني المخلوطة بمس الجنون .