فلن يسعكم القتال مع أي أحد بعدي . وعليه فليس أمامكم سوى الأسر والعبودية للعدو فيسلبوكم الإرادة والاختيار - فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد حثهم على القتال من خلال بعض المعاني التي تثير في نفوسهم الحمية والغيرة ، فالوطن لا يسلم دون الدفاع عنه ، وإن كانت لهم أدنى رابطة بإمامهم فهم مطالبون بالقتال فما عسى أن يكون الإمام من بعده والذي يسعهم القتال معه . ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى عدم إمكانية خوض القتال بمثل هذه العناصر الضعيفة الهزيلة التي فقدت مقومات المقاومة والثبات
« المغرور - واللَّه - من غررتموه » « 1 » .
فالمحتال الخادع قد يتلاعب ببعض ممتلكات الناس ويمدّ يده إلى بعض حاجاتهم ، أما أنتم فقد سلبتموني كل شيء وقد وليتم ظهوركم للعدل والطهر والتقوى والعزة والرفعة فضيعتم حقوق المسلمين ولا سيما المستضعفين والمحرومين . ثم قال عليه السلام :
« ومن فاز بكم ، فقد فاز - واللَّه - بالسهم الأخيب » « 2 »
. إشارة إلى أنّ مساعدتكم ونصرتكم ليست بشيء ، ومن يعتمد عليكم كمن يشترك في اقتراح لا تنطوي نتيجته سوى على الخسران .
فالإمام عليه السلام يرى فينصرة أهل الكوفة الهزيمة الفشل وقد شبهها تشبيه رائع في أنّ الفوز بهم كالفوز بالسهم الأخيب الخاسر . ثم أورد شبهاً آخر فقال عليه السلام :
« ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل »
في إشارة إلى أنّ أهل الكوفة فاقدون لكافة مقومات الهجوم على العدو من قبيل قوة الإيمان التقوى والشجاعة ، وقد فقدوا كافة القيم إثر تعلقهم بالحياة الدنيا والاغترار بزخارفها وزبرجها .
تأمّلان
1 - الحق يؤخذ ولا يُعطى
ما نفهمه من قوله عليه السلام
« لا يدرك الحق إلّابالجد »
أنّ الحق يؤخذ ولا يعطى ؛ أي لا يمكن التطلع إلى الحصول على الحق في ظل الحكومات الغاشمة التي تعتمد أسلوب القوة وتمارس الظلم والاضطهاد بحق الطبقات المحرومة والمستضعفة ؛ ولا غرو فأساس قوتهم وقدرتهم إنّما
هامش
( 1 ) ان تقديم المغمور - الخبر للمبتدأ - يفيد الحصر ، أي المغرور الواقعي هو هذا الفرد .
( 2 ) « أخيب » من مادة « خيب » بمعنى فقدان الشيء .