تلقح سحاباً ولا شجراً . ثم وصفها عليه السلام بملازمتها للماء وعدم انفصالها عنه فقال :
« وأدام مربّها « 1 » »
خلافاً للرياح العادية التي تهب أحياناً وتسكن أحياناً أخرى ؛ ريح شديدة عاتية ( تختلف كلياً عن الرياح والعواصف الاعتيادية ) فقال عليه السلام :
« وأعصف « 2 » مجريها » .
وهى ريح تهب من مكان سحيق وليست على غرار الريح الاعتيادية التي تنطلق من أماكن قريبة ( وأبعد منشاها ) .
ثم أشار في المرحلة الثانية إلى مهمّة هذه الرياح
« فامرها بتصفيق « 3 » الماء الزخار ، وإثارة
موج البحار »
فقامت هذه الريح العاتية العظيمة بمخض الماء كقراب السقّاء
« فمخضته « 4 »
مخض السقاء » . « وعصفت به عصفها بالفضاء »
ثم قال عليه السلام :
« ترد أوله إلى آخره وساجيه « 5 » إلى مائره « 6 » » .
وقال عليه السلام في المرحلة الثالثة بشأن تراكم المياه وارتفاعها
« حتى عب عبا « 7 » »
بمعنى ارتفع أعلاه
« ورمى بالزبد ركامه « 8 » » .
ثم قال عليه السلام في المرحلة الرابعة :
« فرفعه في هواء منفتق وجو
منفهق « 9 » »
فخلق منها تبارك وتعالى السماوات السبع
« فسوى منه سبع سماوات »
حيث جعل الأقسام السفلى ، كالأمواج المكفوفة الممسوكة والطبقات العليا كالسقف المحفوظ
« جعل
هامش
( 1 ) « مرب » من مادة « ربّ » التي تعني في الأصل التربية ، وتطلق الرب على المربي والمالك والخالق ( وهو مصدر له معنى الفاعلية ) ويفيد معنى الاستمرار والملازمة إذا جاء من باب الأفعال ( إرباب ) لأنّ التربية متعذرة دون الاستمرار ) .
وبناءً على هذا فانّ « مربّ » مصدر ميمي بمعنى الدوام والبقاء .
( 2 ) « أعصف » من مادة « عصف » على وزن عصر ، بمعنى السرعة والحركة والشدة كما ذكرنا .
( 3 ) « تصفيق » من مادة « صفق » على وزن سقف بمعنى تقليب الشيء بعضه على بعض بحيث يصاحبه الصوت ، ومن هنا اطلق التصفيق على ضرب الكفين - وهى هنا بمعنى تحريك المياه وتقليبها على بعضها ( لسان العرب ، مقاييس اللغة ، شرح محمد عبدة ) .
( 4 ) « مَخَضَ » من مادة « مخض » على وزن قرض بمعنى تحريك الموائع في ظروفها ، ولذلك يستعمل هذا التعبير أثناء تحريك اللبن في القربة لفصل الزبدة عنه .
( 5 ) « ساجي » من مادة « سجو » على وزن سهو بمعنى السكون والهدوء .
( 6 ) « مائر » من مادة « مور » على وزن فور بمعنى الحركة السريعة ، وتطلق هذه المفردة على الجادة أيضاً لأن الناس يتحركون عليها ذهاباً وإياباً .
( 7 ) « عباب » من مادة « عب » بمعنى شرب الماء سريعاً دون تريث ، ومن هنا اطلق العباب على الماء الكثير والمطر الغزير والسيل العظيم ، وهى هنا بمعنى تراكم المياه على بعضها .
( 8 ) « ركام » أشرنا إلى معناها سابقاً ( ما تراكم منه بعضه على بعض ) .
( 9 ) « منفهق » من مادة « فهق » على وزن فرق بمعنى المفتوح الواسع ، ولذلك يصطلح بالمنفهق على الجزء الواسع من الوادي والوعاء المملوء بالماء .