ممكن الوجود لا واجب الوجود - وعليه فواجب الوجود ذات مطلقة غير محدودة في كافة أبعادها ، ولذلك كان سبحانه وتراً واحداً ليس له كفؤاً ولا شبيهاً ، لاستحالة قيام وجودين مطلقين من جميع الجهات ، وذلك لأنّ هذا التناقض إنّما يؤدي إلى محدودية الطرفين ، فهذا فاقد لوجود ذلك ، وذاك أيضاً فاقد لوجود هذا ( تأمل هذا الموضوع ) .
وبعد أن تعرض الإمام عليه السلام لصفات الجمال والجلال ( الصفات الثبوتية والسلبية ) ، أشار عليه السلام إلى جانب من صفاته الفعلية سبحانه ، فقال :
« فطر « 1 » الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح
برحمته ، ووتد « 2 » بالصخور « 3 » ميدان « 4 » أرضه » .
لقد استوحيت هذه التعبيرات من بعض الآيات القرآنية ، فالعبارة
« فطر الخلائق بقدرته »
مستوحاة من الآية الشريفة
« فاطِرِ السَّمواتِ وَالأَرضِ »
التي وردت في عدّة سور قرآنية من قبيل : سورة يوسف / 101 وسورة إبراهيم / 100 وسورة فاطر / 35 وسائر السور المباركة .
والعبارة
« نشر الرياح برحمته »
من الآية الشريفة
« وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » . « 5 »
والعبارة
« ووتد بالصخور ميدان أرضه »
من الآية 15 من سورة النمل
« وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » . « 6 »
وبالالتفات إلى ما ذكرنا من معنى « فطر » فإنه شبه الخلق بشق الحجاب الظلماني للعدم ؛ الحجاب المتسق والمنسجم الذي لا شق فيه ، غير أن قدرته المطلقة تشقه وتخرج منه المخلوقات ، وليس من شأن أية قدرة سوى قدرته أن تفعل هذا . فقد اتفقت كلمة الفلاسفة والمفكرين على استحالة استحداثنا لشيء من العدم ، أو تحويلنا من وجود إلى عدم ، وكل
هامش
( 1 ) « فطر » من مادة « فطر » على وزن بمعنى شق الشيء من الطول ومنه الافطار في الصوم
( 2 ) « وتد » من مادة « وند » ( على وزن وقت ) بمعنى إثبات الشيء ولذلك يطلق الوتد على المسمار الذي يثبت في الأشياء ويمنحها الثبات أيضاً ، وأحياناً يطلق « الوتد » على وزن « الوقت » .
( 3 ) « الصخور » جمع « صخرة » ، وقال صاحب لسان العرب تعني الحجر الكبير الصلب .
( 4 ) « ميدان » من مادة « ميد » على وزن ( صيد ) بمعنى الحركة والاضطراب وميدان على وزن ( ضربان ) بهذا المعنى أيضاً و « ميدان » على وزن ( حيران ) وجمعه ميادين بمعنى الفضاء الواسع .
( 5 ) سورة الأعراف / 57 .
( 6 ) سورة النحل / 15 .