وبغض النظر عن هذا الأمر فانّ الإيمان من جراء مشاهدة الحقائق المترتبة على ما بعد الموت سوف لن يكون مدعاة للعبودية والطاعة وسيكون نوعاً من الاجبار والاضطرار ، كما نشاهد ذلك في الأفراد - حتى الصبية منهم - حين يبدون ردود فعلهم المباشرة إذا ما اقتربت أيديهم من النار ، فاجتناب المعصية على هذا الضوء سوف لن يكون بدافع من الورع والتقوى والعبودية أبداً .
أمّا قوله عليه السلام
« قريب ما يطرح الحجاب »
فعمر الإنسان مهما كان ليس سوى لحظات عابرة مقارنة بعمر الدنيا وزمان الآخرة . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى مسألة مهمّة بهذا الشأن وهى أنّكم وإن لم تروا عالم ما بعد الموت ، إلّاأنّ الأدلة عليه قائمة لديكم ومعالمه واضحة أمامكم
« ولقد بصرتم ان ابصرتم ، واسمعتم ان سمعتم ، وهديتم إن اهتديتم » .
وعليه فليس هنالك من عذر لمن ضل السبيل وأخطأ المسيرة ، فالحقائق المرتبطة بعالم الآخرة وان حجبت عنكم ، إلّاأنّكم على علم بها من خلال ثلاثة طرق : الأول من الاعتبار بما تشاهدونه في هذا العالم ، فاثار الفراعنة وقبور الأسلاف لأدلة واضحة على العاقبة المريرة التي تنتهي إليها مسيرة الأقوام الظالمة والتي تشير إلى أنّ الله بالمرصاد ، كما لديكم الكتب السماوية والرسالات النبوية ، أضف إلى ذلك فانّ الأدلة العقلية ليست بالقليلة وهى تقودكم بكل بساطة إلى المعاد واليوم الآخر .
وعليه فعبارته عليه السلام إنّما تشير إلى الأدلة الحسية والنقلية والعقلية .
كما يحتمل أن تكون الجملة الأولى إشارة إلى الأدلة الحسية والعقلية ( لأنّ البصيرة تطلق على الإدراك العقلي أيضا ) والجملة الثانية تلمح إلى الأدلة النقلية ، بينما تشير الجملة الثالثةالهداية الناجعة من هذه الأدلة . ثم قال عليه السلام :
« وبحق أقول لكم : لقد جاهرتكم العبر »
فالعالم مليىء بحوادث العبرة والاعتبار التي لا تخفى على أحد ، فتلك آثار الفراعنة والأقاصرة والأكاسرة التي تخبر عن أحوال من كان من الأمم السالفة . وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله : « وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ » « 1 »
وقال أيضا : « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذ لِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ » . وقال في موضع آخر « فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الصافات / 137 - 138 .
( 2 ) سورة الدخان / 25 - 29 .