وقال عليه السلام في صفتهم الخامسة
« لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره ، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً لغيره »
. والواقع أنّ هذا من لوازم الضحالة الفكرية وضيق العلم والمعرفة حيث يرى الإنسان نفسه هو العلم الكامل فينكر كل ما ورائه فلا يرى من حرمة لأفكار الآخرين وعلومهم ، بينما لا يرى العالم الحق في العلم والمعرفة سوى الاعتراف بالجهل ، فيسوقه ذلك إلى التواضع للآخرين والاستماع إلى أقوالهم « فَبَشِّرْ عِبادِالَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » « 1 » فهم يستمعون إلى الآخرين ويصطفون أحسن ما يرد في كلامهم ، في حين يطالعك الجاهل المغرور الذي يتحدث على سبيل القطع وهو ليس على شيء .
وصفته السادسة التي ذكرها الإمام عليه السلام :
« وان أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه »
هذا هو الفارق والحد الفاصل بين العالم والجاهل ، فالعالم إذا عرض له أمر مبهم كرس له اهتمامه فان صعب عليه حله وإزالة ابهامه استشار من حوله واستفاد من أفكارهم وانفتح على تجاربهم ، بينما يهمله الجاهل ويمر عليه مروراً عابراً ، لأنّ يعلم بأن التعامل معه والتفكير فيه لا تزيده سوى فضيحة . وزبدة الكلام فهو يعمل على الخلاف ممّا ورد في الروايات الإسلامية بعدم الحياء من قول لا أدري إذا عرض عليه ما لا يعلمه ولا ينبغي أن يستنكف عن تعلمه « ولايستحين أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول : لا أعلم ، ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه » « 2 » . والواقع هو أنّ عدم الالتزام بمضمون هذه الرواية إنّما يقود إلى اضرار فادحة تطيل الشخص والمجتمع الذي يعيش كواحد من أفراده .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى حصيلة عمل هؤلاء القضاة الجهال عديمي الورع والتقوى بقوله :
« تصرخ من جور قضائه الدما ، وتعج « 3 » منه المواريث »
. أجل فما أكثر الدماء التي تسفك والأموال التي تهدر وهى تضج بصراخها من الأحكام المجحفة التي يصدرها هؤلاء القضاة الجهال ، فيطرق هذا الصراخ ضمير السامع فيهز أعماقه ، بينما يعيش هذا الجاهل نشوة الغرور
هامش
( 1 ) سورة الزمر / 17 - 18 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الكلمات قصار ، الكلمة 82 .
( 3 ) « تعج » من مادة « عج » و « عجيج » بمعنى ارتفاع الصوت وهنا بمعنى الصراخ .