قصارى جهده من أجل النهوض بعمله وتطوير حياته ، مع ذلك لابدّ أن يعلم بأنّ الذات الإلهية هي مصدر كل خير وبركة ونعمة وعطاء . إلّاأنّ الغرور والكبر وحب الذات قد يجعل الإنسان غافلًا عن هذه الحقيقة فيرى نفسه مستقلًا في مقابل اللَّه فتتشوه بنظره جميع الأشياء .
هذا الانقطاع عن اللَّه هو ايكال الإنسان إلى نفسه ؛ وهو أساس بؤس الإنسان وشقائه . ومن هنا ترى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا ينفك عن التضرع إلى ربّه منادياً :
« اللّهم . . . لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً » « 1 »
وهو ذات المعنى الذي صرّح به أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً » « 2 »
كما ورد ذلك عن المعصوم عليه السلام قوله :
« إنّك ان وكّلتني إلى نفسي تقربني من الشر
وتباعدني من الخير » « 3 » .
وما أن يفرغ الإمام عليه السلام من بيان السبب الرئيسي لشقوة هؤلاء حتى يتطرق إلى افرازات ذلك الشقاء ليوجزها في ثمانية ارتبطت مع بعضها برباط العلة والمعلول فقال عليه السلام :
« فهو حائر عن قصد السبيل »
والمراد بقصد السبيل هو الحد الوسط الفاصل بين الإفراط والتفريط والذي يوصل الإنسان إلى اللَّه ؛ الأمر الذي أشار له القرآن الكريم بالقول
« وَعلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ » « 4 »
ومن البديهي أنّ الإنسان إنّما يستطيع تمييز السبيل - الذي صورته الروايات بأنّه أرفع من الشعرة وأحد من السيف - من بين آلاف السبل الانحرافية إذا شملته الألطاف والعنايات الإلهية ؛ امّا إذا انفصل عن اللَّه ووكل إلى نفسه فإنه سيعيش الحيرة والقلق التي تنتهي به إلى الضلال والسقوط في الهاوية .
الافراز الثاني
« مشغوف بكلام بدعة »
ومن هنا ينطلق نحو الافراز الثالث
« ودعاء ضلالة »
. شغف من مادة شغاف على وزن كلاف بمعنى المولع بالشيء حتى بلغ حبه شغاف قلبه ، وهو غلافه ؛ وهو التعبير الذي أورده القرآن الكريم بشأن حب زليخا لنبي اللَّه يوسف عليه السلام على لسان طائفة من نساء مصر
« قد شغفها حباً »
، فالعبارة إشارة إلى أنّ مثل هؤلاء الأفراد
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 83 / 153 .
( 2 ) بحار الأنوار 91 / 94 .
( 3 ) بحار الأنوار 83 / 152 .
( 4 ) سورة النحل / 9 .