حيث أصروا على الإمام عليه السلام بقبول التحكيم فلما قاد إلى تلك النتيجة ندموا ندماً شديداً ليعتبروا التحكيم مخالفة صريحة للقرآن وأنّه الكفر بعينه ، وقد بلغت بهم الوقاحة أن طالبوا الإمام عليه السلام بالتوبة وإلّا هبوا لقتاله . فلما رأى الإمام عليه السلام الاختلاف قد دب بين جيشه ( ولاحظ عناصر النفاق التي كانت تحاول إثارة الفتنة ) أصدر أمره بالعودة إلى الكوفة .
فلما عاد الجيش إلى الكوفة ، انشق منه اثنا عشر ألف من الأفراد المتعصبين ليلجأوا إلى الحروراء - قرية تبعد ميلين عن الكوفة - ومن هنا اطلق عليهم اسم الخوارج الحرورية ، وأخيراً استعدوا للقتال بعد أن تجمعوا في النهروان قرب الحروراء .
والغريب في الأمر كان البعض منهم من أصحاب البرانس من الحفاظ . إلّاأنّهم كانوا يعرفون بالجهل والتعصب والالتزام بظواهر الدين دون باطنه ومن هنا استحقوا اسم « المارقين » .
سعى الإمام عليه السلام بادىء ذي بدء إلى نصحهم والاعذار إليهم فبعث لهم الواحد تلو الآخر ، فكان من ذلك أن استجاب عدد منهم وهم ينادون « التوبة التوبة يا أمير المؤمنين » حيث قيل إنّ ثمانية آلاف منهم قد رجعوا وتابوا ( تفيد الروايات أنّ الإمام عليه السلام قد جعل راية في الميدان وأمر التوابين بالانضواء تحتها ) ، مع ذلك لم يأذن الإمام عليه السلام بمقاتلتهم أملا بعودة من تبقى منهم .
حتى بعث لهم من يحاججهم فقتلوه ثم نشب القتال ، فقاتل عليه السلام قتالًا شديداً بعد أن أخبر أصحابه بأن مصارعهم دون النطفة ولن ينجو منهم عشرة ولن يهلك من جيشه عشرة . فكان الأمر كما أخبر عليه السلام . « 1 »
وقعت هذه الحرب في اليوم التاسع من شهر صفر عام 38 أو 39 هجري ، ولم تدم أكثر من ساعة . « 2 »
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 59 .
( 2 ) « الكامل في التاريخ » لابن الأثير ، شرح نهج البلاغة للخوئى ، تاريخ الطبري ، ج 4 ، نور الولاية ، مروج الذهب ، ج 2 « مع التلخيص والاختصار » .