فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » . « 1 »
ثم أضاف عليه السلام :
« والله لقد سمعوها ووعوها « 2 » ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم « 3 »
زبرجها « 4 » » « 5 » .
فالإمام عليه السلام يشبههم في البداية بالجهال الذين دفعهم جهلهم لمخالفته ، ثم ينتقل في المرحلة اللاحقة ليصفهم بأنّهم سمعوا هذه الأخبار والحقائق ووعوها وهى ليست خافية عليهم ، إلّاأنّ حب الدنيا والتكالب على حطامها والاغترار بزبرجها - ولا سيما بعد الفتوحات الإسلامية الكبرى التي جرت عليهم ما لا يحصى من الغنائم النفيسة والتعود على الحياة الوادعة المرفهةخاصة تلك التي ظهرت أبان خلافة عثمان - جعلتهم يؤثرون الدنيا على الدين ويبيعون الحقيقة بالخرافة ويضحون بالدار الآخرة ويزهدون فيها .
فالعبارات التي أوردها الإمام عليه السلام هي في الواقع عصارة التحليلات بشأن نشوب المعارك الثلاث في عهد الإمام عليه السلام ؛ الأمر الذي يعتبر درسا لجميع المسلمين على مدى التاريخ في أنّهم يعيشون الفرقة والتشتت وتمزق عرى الوحدة كلما أقبلوا على الدنيا واغتروا بزخارفها وزبرجها ، فليس لهم من سبيل سوى الورع والتقوى والزهد بغية الثبات على الطريق .
ونشاهد اليوم بكل وضوح أنّ الاختلافات السائدة في أوساط المسلمين إنّما تعزى لما بينه الإمام عليه السلام وأو جزته الآية القرآنية الشريفة : « تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا
هامش
( 1 ) سورة القصص / 83 .
( 2 ) « وعوها » من مادة « وعى » على وزن نفى ، قال صاحب المقاييس تغني صنم الشيء إلى آخر ، وقال صاحب المفردات تعني حفظ الحديث وما شابه ذلك ( وكلاهما بمعنى واحد ) .
( 3 ) « راق » من مادة « روق » - حسب المقاييس - بمعنى تقدم شيء على آخر وتأتي أحيانا بمعنى الحسن والجمال ومن هنا يصطلح بالرواق على مقدمة البيت أو الأضرحة المقدسة وقد جاءت هنا بمعنى الحسن والجمال .
( 4 ) « زبرج » بمعنى الزينة والذهب كما تأتي بمعنى نقوش القماش .
( 5 ) يتضح بجلاء أنّ الضمائر في هذه العبارة والعبارات السابقة إنّما يعود إلى الفرق الثلاث الناكثين والمارقين والقاسطين التي أشير إليها في العبارة السابقة ، بينما يرجح المرحوم العلّامة المجلسي في البحار أنّ هذه الضمائر إنّما تعود إلى الخلفاء الثلاث ، غير أنّ هذا الاحتمال يبدو مستبعداً . ولعل هذا هو الذي دفع المرحوم المجلسي لان يختتم كلامه باحتمال رجوع الضمائر إلى كافة من أشارت إليهم الخطبة .