والاستثناء منها بالنسبة إلى مورد دون مورد ؛ لأنّ القاعدة العقليّة لا استثناء فيها ولا تخصيص لها ما دام الموضوع باقياً بخلاف القاعدة العقلائيّة ، فإنّه لابدّ من تعيين حدودها وقيودها ، وهي في المقام أربعة على الأقلّ :
أحدها : أن يكون المولى قادراً على البيان وإلّا لو كان المولى غير قادر على بيان غرضه والعبد يعلم به أو يحتمله فلا يكون عند العقلاء مرخّصاً بالاعتذار بعدم البيان .
ثانيها : أن لا يكون المورد من المسائل الهامّة الأساسيّة كما إذا دخل في دار المولى من يحتمل أن يكون هلاك المولى بيده ، فعلى العبد منعه بكلّ ما يقدر عليه وإن لم يصدر من المولى بيان فيه .
ثالثها : أن يكون المورد من الموارد الّتي ممنوعها أقلّ من مجازها ، وواجبها أقلّ من مباحها ، وإلّا لو كان مشكوك الحرمة من الحيوانات البحرية مثلًا الّتي أكثرها حرام ، فلعلّ بناء العقلاء لم يستقرّ على البراءة في أمثالها ، فإنّ الظاهر أنّ بناء العقلاء نشأ من كون الواجبات والمحرّمات في مقابل المباحات قليلًا جدّاً فالمحتاج إلى البيان إنّما هو الواجبات والمحرّمات ، ولو انعكس الأمر في مورد وكانت محرّماته أكثر من مباحاته لم يكن لهم بناء على البيان فيه ، ولا أقلّ من الشكّ وعدم ثبوت بناء في أمثال المقام ، ومعه لا يصحّ الاستدلال به .
رابعها : أن يكون من المسائل المبتلى بها ، فلو كان الابتلاء نادراً في مورد لكان الحكم باستقرار بنائهم عليه مشكل .
ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا معروفاً ، وهو أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مورودة لقاعدة وجوب دفع الضرر ، فيكفي في البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فإنّ الشكّ في التكليف يلازم الشكّ في الضرر ، والعقل يستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل فهو بيان عقلي فيرتفع موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان .
وأجيب عنه : بأنّ المراد بالضرر الذي هو موضوع القاعدة إمّا الضرر الدنيوي وإمّا
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة ) — صفحة 174
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٧٤