فاللطف يقتضي إيجاد ظروف ثقافية وفكرية لتكميل النفوس القابلة والإرشاد إلى مناهج الصلاح ؛ لأنّه يجب على الشارع أو المقنّن إيجاد الشرائط ومقدّمات إجراء أحكامه وقوانينه ، وإلّا يلزم نقض غرضه ، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال بطاعته وترك معصيته ، وهذا يحتاج إلى بعث الرسل وإنزال الكتب وجعل التكاليف وإيصالها إليه ، وإلّا فقد نقض غرضه ، وهذا هو معنى اللطف في مصطلح علماء الكلام .
وهو مقبول بالنسبة إلى الشرائط والمقدّمات الّتي يوجب عدمها نقض الغرض ولكن لا يمكن تطبيق القاعدة على المقام ؛ لعدم وضوح المصلحة الّتي اقتضت اختفاء الإمام عليه السلام ، فلعلّها امتحان للناس كما امتحن بني إسرائيل بغيبة موسى عليه السلام وذهابه إلى جبل طور في فترة من الزمان ، أو أنّها لحفظ نفس الإمام عليه السلام ، أو لعدم قابلية الناس وعصيانهم ، فلو صلحوا وأطاعوا لظهر الإمام عليه السلام .
وعلى كلّ حال نفس المصلحة الّتي تقتضي خفاءه وغيبته قد تكون موجودة في اختفاء بعض الأحكام أيضاً .
ولقد أجاد المحقّق الطوسي رحمه الله حيث قال : « وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منّا » « 1 » يعني أنّ لوجود الإمام عليه السلام ألطافاً عديدة :
منها : أصل وجوده الشريف ، فإنّه من أسباب قوام نظام الكون ، وهذا باقٍ في عصر الغيبة أيضاً ؛ فإنّه العلّة الغائية لخلق العالم لأنّه أتمّ مصاديق الإنسان الكامل الذي خلق الكون لأجله ، ونور اللَّه الذي يهتدي به المهتدون .
ومنها : ظهوره وتصرّفه ، فإنّ حكومته وقيادته لطف آخر ، ولكن عدم هذا اللطف وانقطاعه منّا ، وقطع هذا القسم من اللطف لا يلازم انقطاع القسم الأوّل منه .
وعليه لو سلّمنا أنّ مقتضى القاعدة إلقاء الخلاف ، إلّاأنّه لا تنحلّ المشكلة به ، ما لم يمنع أكثر الفقهاء عن الوقوع في الخطأ ؛ لأنّ مجرّد إلقاء الخلاف لبعض لا يهدي
هامش
( 1 ) . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، ص 490