ومنها : قوله تعالى : « وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » « 1 » .
والمراد من الباطل في هذه الآية هو مطلق البطلان ، فيكون المقصود : لا يأتيه أيّ باطل من أيّ جهة من الجهات كما ورد في مجمع البيان : « لا تناقض في ألفاظه ولا كذب في أخباره ولا يعارض ولا يزاد فيه ولا يغيّر » « 2 » .
ولا وجه للتقييد ما دام لم توجد قرينة عليه ، وقوله تعالى في ذيلها : « تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » بمنزلة التعليل للصدر ؛ أي كما أنّ المنزل منه يكون عالماً حكيماً ومنعماً حميداً إلى الأبد ، لابدّ أن يكون المنزل الذي هو حكمة من جانب ونعمة من جانب آخر باقياً بين الناس أيضاً .
إن قلت : إن كان المراد من عدم إتيان الباطل عدمه على نهج القضيّة الكلّية فهو قطعي البطلان ؛ لأنّ كثيراً من الأعداء أرادوا بطلانه أو فسّروه على غير وجهه ، وإن كان المراد عدم الإتيان على نهج القضيّة الجزئيّة ، فهو يصدق بالنسبة إلى المصحف الموجود عند الإمام الحجّة عليه السلام ، فلا يثبت عدم إتيانه الباطل بالإضافة إلى غيره من المصاحف .
قلت : إنّ « الحفظ » فيالآيةالسابقة أو « عدم إتيان الباطل » له مفهوم عرفي والقرآن كتاب للهداية فلا يصدق هذا العنوان إذا لم يكن القرآن محفوظاً بين الناس لهدايتهم وإن كان محفوظاً عند الإمام المهدي عليه السلام ، فليس عنده إلّاهذا القرآن الذي بأيدينا .
الوجه الثالث : الروايات الدالّة على عدم التحريف :
منها : حديث الثقلين المتواتر من طرق العامّة والخاصّة « 3 » الواردة في ذيلها :
« ما إن
تمسّكتم بهما لن تضلّوا »
وفي بعض الطرق
« لن تضلّوا أبداً »
، فإنّ مقتضى الذيل
هامش
( 1 ) . سورة فصّلت ، الآيتان 41 و 42
( 2 ) . مجمع البيان ، ج 9 ، ص 27
( 3 ) . انظر : جامع أحاديث الشيعة ، ج 1 ، ص 189 - 219 ، الباب الرابع من أبواب المقدّمة