إلى غير ذلك من الوجوه الّتي يمكن نقضها بموارد استعمال الأمر في القدر الجامع بين الوجوب والاستحباب ، كقوله تعالى : « لاخَيْرَ في كَثيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ » « 1 » ، وقوله عليه السلام في كتابه لمالك :
« هذا ما أمر
به عبداللَّه علي أمير المؤمنين ، ثمّ قال : آمره بتقوى اللَّه . . . آمره أن يكسر نفسه عند الشهوات » « 2 »
فلا إشكال في استعماله في القدر الجامع بين الوجوب والاستحباب .
إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي تبلغ حدّ الاطّراد ، والاطّراد دليل الحقيقة كما مرّ في محلّه ، وأمّا استعماله في خصوص أحدهما فإنّما هو من باب تطبيق الكلّي على الفرد ، وهذا لا ينافي انصراف الإطلاق إلى خصوص الوجوب .
فظهر أنّ الدليل الوحيد على كونه دالّاً على الوجوب إنّما هو الوجه الأوّل ، أي التبادر والظهور العرفي ، وأمّا سائر الوجوه فهي على حدّ التأييد للمدّعى لا أكثر ، لأنّها استعمالات لهذه المادّة في خصوص الوجوب ، ومجرّد الاستعمال غير دالّ على الحقيقة ما لم يبلغ حدّ الاطّراد .
ثمّ إنّه لا كلام في ظهوره في الوجوب ، إنّما الكلام في منشأ هذا الظهور ، فهل هو الوضع بحيث يكون الأمر بمادّته موضوعاً للطلب الوجوبي « 3 » ، أو المنشأ إنّما هو حكم العقل بوجوب طاعة المولى الآمر قضاءً لحقّ المولويّة والعبوديّة « 4 » ، أو أنّه قضية الإطلاق ومقدّمات الحكمة « 5 » ؟
هامش
( 1 ) . سورة النساء ، الآية 114
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 33 ، ص 599 ، وقد ورد فيه الأمر باتباع ما أمر اللَّه به في كتابه من فرائضه وسننه
( 3 ) . كفاية الأصول ، ص 63
( 4 ) . محاضرات في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 14
( 5 ) . نهاية الأفكار ، ج 1 ، ص 161 - 163