والحقّ أنّه لا ملازمة بين القول بالتخيير في المسألة الاصوليّة وكونه بدوياً ، لإمكان جعل المجتهد مخيّراً في هذه المسألة مستمرّاً ، كما أنّ الأمر في المسألة الفرعية أيضاً كذلك ، إنّما الكلام بحسب مقام الإثبات وظواهر أدلّة التخيير ، فإن كانت هي إطلاقات السعة فهي ظاهرة في الاستمرار ، وإن كانت هي مرفوعة زرارة فهي ظاهرة في التخيير البدوي ، ولو شكّ في ذلك فقاعدة الاحتياط حاكمة بالتخيير البدوي لعين ما مرّ في المسألة السابقة الّتي دار أمرها بين التعيين والتخيير ، هذا كلّه مع قطع النظر عمّا عرفت من لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة التدريجيّة في التخيير الاستمراري .
الأمر الثاني : في أخبار الترجيح
المشهور وجوب إعمال المرجّحات قبل أن تصل النوبة إلى التخيير ، ويدلّ عليه الأخبار الكثيرة الآمرة بالترجيح وهي على طوائف :
الطائفة الأولى : ما يدلّ على أنّ المرجّحات أكثر من مرجّحين
منها : مقبولة عمر بن حنظلة :
قال : سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ قال :
« من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له ، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر اللَّه أن يكفر به ، قال اللَّه تعالى :
« يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ » » ، قلت : فكيف يصنعان ؟ قال :
« ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللَّه وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على اللَّه وهو على حدّ