بعين العقل والحكمة .
توضيح ذلك : أنّ أحكامنا التي نصدرها بشأن الربح والخسارة إنّما هي نسبية على الدوام ، فكل ما كان بمصلحتنا نحسبه مفيداً ونافعاً والعكس بالعكس ، دون أن نكترث لانعكاسات الأمر على صعيد المجتمع ومستقبله فربّما تكون مادة كيميائية سامة لنا ، بينما يمكن أن تكون هذه المادة علاجاً للأخرين وبالعكس . . . فهل يشكل ربحنا أو خسارتنا معياراً حسناً أم قبح ظاهرة معينة ، أم ينبغي دراسة الظاهرة من جوانبها كافّة بغية إصدار الأحكام بشأنها ؟ لا بأس بهذا المثال لنقف على حقيقة هذه القضية :
قطعاً هنالك بعض الفوائد والأضرار التي يستبطنها هطول الأمطار الغزيرة ؛ وأحكام الناس بهذا الشأن ستكون متنوعة . فأولئك الذين يجرف السيل بيوتهم ومزارعهم سيتحدثون بلوعة قائلين : إنّي لأجهل سبب هذا البلاء الذي أصابني ! أمّا أولئك الذين كانت مزارعهم تعاني من شحة المياه أو تحتاج بعض محاصيلهم لمزيد من المياه ، وقد امتلأت ترعهم وجداولهم بالمياه فلسان حالهم يقول : يا لها من نعمة فضيلة ، لقد أفاض اللَّه علينا لطفاً وعناية ! والواقع لو تأملنا جميعاً تأثيرات ذلك المطر لعدوه جميعاً « أمطار رحمة » لا غضب الطبيعة .
أضف إلى ذلك فإنّ بعض أنواع البلاء نعمة كبيرة نجهل حقيقتها ونغفل عنها ، فبعض الأمراض التي تصيب الإنسان مرّة في حياته إنّما تحصنه عادة من الإصابة به ثانية . فلو نظرنا إلى المرض في ذات اللحظة لاعتبرناه بلاءً ، بينما لو أخذنا بنظر الاعتبار انعكاساته علينا باقي عمرنا لرأيناه نعمة . ولعل الفلسفة التي نفهمها من ظهور البلاء يتمثل في إدراك النعمة . فلا أحد يدرك أننا نغرق في بحر من النعم الإلهيّة ، لكننا لا ندرك أغلب هذه النعم ، اللّهم أن نسلب تلك النعمة لبعض الوقت . أفرض أنّ المرض انعدم من العالم ، كيف يمكننا أن ندرك نعمة الصحة والعافية ! ولو لم يكن لهذه الأرض حركة موضعية فهل كانت ستشهد من قرار ! ولو لم يقع الجفاف أحياناً ، فهل كان يسعنا الوقوف على دور المطر في الحياة ! وبناءً على ما تقدم وبغية لفت انتباه الإنسان إلى النعم التي لا تعد ولا تحصى فتشده إلى اللَّه ، إنّما
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 48
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٨