وإن لم يرتبطوا بالوحي ، إلّاأنّ علومهم غيبية ، فهم يبيّنون الأحكام التي لم يقلها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إثر عدم وجود المقتضي أو انتفاء المانع . فليس هنالك من حجاب بينهم وبين الأحكام الشرعية ، وقد ألهمهم اللَّه بلطفه وعنايته كل ما يحتاجه العباد من أحكام إلى يوم القيامة « 1 » .
وعلى هذا الأساس فليس هنالك من معنى لاجتهادهم في الأحكام ، لأنّ الاجتهاد في الأحكام وظيفة من لا يستطيع التوصل إلى الأحكام دون استفراغ الوسع وتطبيق القواعد الأصولية والفقهية ، وربّما لا يتوصل إليها حتى بعد تحمل المشقة والعناء ، أمّا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي يتلقى الأحكام من طريق الوحي ينفتح على المتطلبات البشرية كافّة من حيث الأحكام والمعارف من خلال مجاريها الصحيحة ، فإنّ مثل هذا الشخص سوف لن يحتاج إلى الاجتهاد ورد الفرع إلى الأصل واستنباط الجزئيات من الكليات . كما أنّ أوصياء النبي يعلمون حلال اللَّه وحرامه وأحكامه كافّة ، والذي تتضح له واقعية الأحكام بكل خصائصها لغني عن الاجتهاد .
نوضح أكثر : الاجتهاد يلازم عدم الاطلاع القطعي على الأحكام الواقعية ، والأفراد الذين يقفون بصورة قطعية على الأحكام عن طريق الوحي أو وراثة النبي صلى الله عليه وآله ليسوا بحاجة إلى الاجتهاد .
لكن علماء العامة يؤمنون باجتهاد الخلفاء في أغلب الأحكام ، وقد وردت آراؤهم بصورة مفصلة في كتب « العقائد والمذاهب » ، ولعل السبب الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد ما نقلوه من أخطاء عن الخلفاء ولم يكن لهم من توجيه لذلك سوى إن اعتبروهم مجتهدين كالفقهاء بحيث يخطئون أحياناً في بيان الأحكام ، ويبدو لهم أنّ خطأ الخلفاء في بيان الأحكام إنّما كان بسبب احتهادهم ، ولترسيخ هذه النظرية توسع بعضهم في هذا البحث ليسلط الضوء على علم النبي صلى الله عليه وآله ويخلص في خاتمة المطاف إلى أنّ النبي الأكرم كان يجتهد في الأحكام التي لم يرد فيها نص شرعي !
هذا بيان مختصر للموضوع والتفاصيل في مباحث " العقائد والمذاهب " .
هامش
( 1 ) للوقوف على المزيد راجع أصول الكافي ، ص 110 .