العدم » بمعنى أنّ العدم منشأ الوجود وأساسه وأنّه المادة المكونة له . بل مرادهم أنّ العالم لم يكن ثم كان ، دون أن يكون للعدم أدنى مدخلية في ظهوره وتكونه .
وأوضح من ذلك : أنّ الماديين الذين يعتقدون بأنّ ذرات العالم قديمة وأزلية وغير مسبوقة بعدم ، ويقابل ذلك الإعتقاد الإسلامي الذي يرى حدوث جميع الذرات وسبقها العدم ، أطلقوا تلك العبارة في أنّ العالم خلق من العدم ، أي لو تصفحنا أوراق الوجود وعدنا إلىالوراء ، فإننا سنبلغ نقطة تنتهي فيها أوراق الوجود وسوف لن يكون هنالك أي مظهر للوجود . والردّ على هذه الشبهة ما ذكرناه آنفا ، ولو اغضضنا الطرف عمّا ذكر ، فإنّ هذه الشبهة ترد على أصحاب النزعة المادية ، ذلك أنّ القديم عندهم المادة وذرات العالم ، وأمّا الصور والأشكال التي تظهر من تركب هذه الذرات فستكون حادثة قطعاً ومسبوقة بعدم ، بمعنى أنّها تكونت من العدم . فمليارات الأحياء والنباتات مثلًا لها صور جوهرية وأشكال معينة ظهرت من تركيب الذرات ، والقديم والأزلي من وجهة نظر المادي بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات والنجوم إنّما يتمثل في ذراتها ، وأمّا الصورة الخاصة الإنسانية والشكل الحيواني والنباتي لكل فرد منها حادث ؛ أي لم يكن ثم صار لاحقاً .
مثال آخر : تأخذ بيدك قلما وترسم صورة على لوح . فالذي كان سابقاً مادة الصورة ( القلم ) لا نفس الصورة ، والصورة شيء لم يكن ثم كان فيما بعد ، وعليه فنحن نطرح هذا السؤال على الماديين بشأن ظهور الصور فنقول : كيف ظهرت هذه الصور الجوهرية ( كالإنسان الخارجي ) والعرضية ( كالصورة التي ترسم على الورقة ) من العدم ، وكل ما يجيب عنه الماديون بشأن ظهور هذه السلسلة من الصور والأشكال ، هو ذاته الذي نجيب عنه بشأن ظهور المادة .
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 10
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٠