أرحب ، وإنّما يقتصر دوره على الهدف الأوّل فحسب ، لأنّ النظام الذي يصنعه الإنسان الاجتماعي يعكس دائماً واقع الإنسان الذي صنعه ودرجته الروحيّة والنفسيّة ، فإذا كان المجتمع يتمتّع بدرجة منخفضة من قوّة الإرادة وصلابتها مثلًا لم يكن ميسوراً له أن يربّي إرادته وينمّيها بإيجاد نظام اجتماعي صارم يغذّي الإرادة ويزيد من صلابتها ، لأنّه ما دام لا يملك إرادة صلبة فهو لا يملك القدرة على إيجاد هذا النظام ووضعه موضع التنفيذ ، وإنّما يضع النظام الذي يعكس ميوعة إرادته وذوبانها ؛ وإلّا فهل تنتظر من مجتمع لا يملك إرادته إزاء إغواء الخمرة مثلًا وإغرائها ، ولا يتمتّع بقدرة الترفّع عن شهوة رخيصة كهذه ، هل تنتظر من هذا المجتمع أن يضع بصورة جديّة وعمليّة نظاماً صارماً يحرّم أمثال تلك الشهوات الرخيصة ، ويربّي في الإنسان إرادته ، ويردّ إليه حريّته ؟ ! كلّا طبعاً ، فنحن لا نترقّب الصلابة من المجتمع الذائب وإن أدرك أضرار هذا الذوبان ومضاعفاته ، ولا نأمل من المجتمع الذي تستعبده شهوة الخمرة أن يحرّر نفسه بإرادته مهما أحسّ بشرور الخمر وآثارها ، لأنّ الإحساس بذلك إنّما يتعمّق ويتركّز لدى المجتمع إذا استرسل في ذوبانه وعبوديّته للشهوة وإشباعها ، وهو كلّما استرسل في ذلك أصبح أشدّ عجزاً عن معالجة الموقف والقفز بإنسانيّته إلى درجات أعلى .
وهكذا يكون النظام الاجتماعي البشري دائماً نتيجة للواقع وتعبيراً عنه ، ولا يكون على مستوى التربية والتوجيه . وحتّى الأنظمة الاجتماعيّة التغييريّة هي نتيجة تطلّب الواقع للتغيير وعدم إمكان استمراره .
وأمّا النظام الإسلامي ، فهو بوصفه من صنع اللَّه وليس من صنع الإنسان لا يكتفي بالهدف الأوّل ، بل يتبنّى الهدف الثاني ويمارس التربية والتغيير ، وينظر إلى الواقع باعتباره موضوعاً يجب أن يعالج ويطوّر لا باعتباره مصدراً
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 113
مساهمون: اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )
ص١١٣