الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو اعدموا فان الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم ثم من الرجاء شوقا إلى الجنة وما فيها من الحور والقصور ونحوها وهذا زهد الراجين فإنهم لم يتركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم على نعيم قائم لا آخر له وهذه فوق الأولى وان كانتا ليستا بذاك لاقتضائهما المحبة لسلامة النفس وحظوظها ومثال الأول مثال المريض الذي يترك الأغذية المضرة طمعا في العافية والثاني مثال الذي لا يأكل اليوم توفير الشهوة غدا في ضيافة مترقبه ثم من رفع الالتفات إلى ما سواه تعالى من غير تقيد بالنار وآلامها ليقصد الخلاص منها ولا بالجنة ولذاتها ليقصد نيلها والظفر بها وهذا زهد العارفين الذي هممهم مقصورة عليه تعالى لا رغبة لهم الا فيه وفي لقائه فإن من عرفه سبحانه يستحقر جميع ما سواه ويرى الراغب إلى الجنة للاحتظاظ بما فيها من اللذات الحسية الغافل عن لذة النظر اليه عز وجل كالصبي الملتذ للعب بالعصفور لقصوره عن إدراك لذة السلطنة مثلا واما درجاته باعتبار ما فيه فأدناها أن يزهد في المال دون الجاه واليه أشار فقيل يقوله الزهد هو القناعة ثم في الجاه دون المال واليه أشار بشر بقوله الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس وهو فوق الأول لأن الجاه أشهى من المال كما سبق وهما كالتوبة عن بعض الذنوب المفيدة لنقصان العقوبة دون النجاة لأنها يترك الكل كما تقدم ثم في كليهما واليه الإشارة في حديث أبى عبد اللَّه عليه السلم الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا والذل على العز والجهد على الراحة والجوع على الشبع وعافية الأجل على محبة العاجل والذكر على الغفلة ويكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة . ثم في جميع ما سواه تعالى حتى في نفسه وعنه عليه السلام الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار وهو تركك كل شيء يشغلك عن اللَّه من غير تأسف على فوتها ولا إعجاب بتركها ولا انتظار فرج منها وطلب محمدة عليها ولا عوض لها بل ترى فوتها راحة وكونها آفة وتكون ابدا هاربا بأمن الآفة معتصما بالراحة واما درجاته باعتبار ما يعرضه من الحكم الشرعي فأدناها الفرض وهو ان يزهد في الحرام خاصة وهو زهد العدول ثم السنة وهو الزهد ( الكافي ) ما يرجح تركه ولم يثبت تحريمه من الشبهة والمكروه وهو زهد المتقين واليه أشار بعض السلف بقوله الزهد التقوى ثم النفل بمعنى أخص من السنة وهو في فضول المباح واليه الإشارة بقول أبى عبد اللَّه عليه السلم وقد سئل عن الزاهد في الدنيا الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه ونزلها في الحقائق على ثلث أيضا الفرض كما هنا والسلامة في الشبهات والنفل في الحلال وهو الموافق للاحياء والدرجات العالية قد تتصادق
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية — صفحة 164
مساهمون: السيد عبد الله الجزائري
ص١٦٤