وبردت رغبته فيها دفتر شوقه إليها فتركها والزهد الحقيقي كما عرفت هو غروف القلب المستلزم للترك المذكور وبسبب هذه الملازمة ربما يتجوز بإطلاق اسم الزهد على الترك سواء كان بسبب غروف القلب أو غيره ويقسم على وجوه متعددة بحسب اعتباره في نفسه وفي علته وهو المزهود منه وفي محله وهو المزهود فيه وفي عارضة وهو ما يوصف به من الأحكام الشرعية وله بحسب كل منها درجات مترتبة يتدرج من أوائلها إلى ثوانيها في السلوك وأدنى درجات الزهد باعتبار نفسه ان يترك الدنيا وقلبه متعلق بها فيتكلف ويجاهد فيه لميل النفس إلى الدنيا وهو تزهد ومبدأ للزهد في حق من يصل اليه والمتزهد على خطر إذ ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا والاستراحة بها في قليل أو كثير ثم إن يتنفر القلب عنها فلا يحتاج إلى مجاهدة فهو زهد من ملكات النفس المطمئنة الا انه لا يخلو عن شوب تشويش بسبب التنفر وربما يرى زهده ويلتفت اليه كما يرى البائع مبيعه وان كان لا يشق عليه البيع إذا سلف ما يسوى قليلا بثمن رابح لكن يحتاج إلى انتظار الموعد فيكاد ان يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم منه وهذا أيضا نقصان ثم عدم الميل والتنفر جميعا لتسوية الوجود والعدم عنده فهو استغناء كما سبق وقد تقدمت الإشارة إلى أنه من مواضع الغرور وربما يظنه الواجد بنفسه لسكونها بما ظفرت به من المقصود فليجربها ويعرف بتسوية سرقه ماله ومال غيره في عدم الاعتداد فان صح فهو أكثر اطمينانا وأثبت قلبا من الزاهد ثم عدم اعتباره بزهده إذ لا يرى أنه ترك شيئا لأنه عرف ان الدنيا لا شيى فيكون كمن ترك خنفساءة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا نفسه تاركا شيئا الدنيا بالإضافة إلى الآخرة أخس من خنفساءة إلى جوهرة ومن منعه عن الدخول إلى الملك كلب على بابه فالقى اليه قطعة عظم شغله بها ودخل فتناول من الموائد المبذولة وتمتع بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقال الكرامة والقرب من الملك افترى انه يرى لنفسه يدا عند الملك بما ألقاه إلى كلبه من العظمة فالشيطان كلب على باب اللَّه والدنيا كقطعة العظم فمن يتركها لينال ما ينال بتركها كيف يلتفت إليها ويعتد بها بل نسبة الدنيا إلى الآخرة أقل من نسبه العظمة إلى موائد الملك وكرامته نسبه المتناهي إلى غير المتناهي وهذا هو الكمال في الزهد بحسب درجاته في نفسه ولكل منها عرض عريض واما درجاته باعتبار مأمنه فأدناها أن يترك الدنيا من خوف النار وسائر عذاب الآخرة وهذا زهد
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية — صفحة 163
مساهمون: السيد عبد الله الجزائري
ص١٦٣