وأيضا : كيف يكون المراد مساواة القبر مع الأرض ، مع أن سيرة المسلمين
المتسلسلة على رفع القبور عن الأرض ؟ ! وفي آخر كتاب الجنائز من جامع
البخاري ، مسندا عن سفيان التمار ، أنه رأى قبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم مسنما . وأسند أبو داود في كتاب الجنائز عن القاسم ، قال : دخلت
على عائشة فقلت : يا أمه ، اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصاحبيه ، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة .
وأسند ابن جرير ، عن الشعبي ، أن كل قبور الشهداء مسنمة . انتهى ما
أردنا نقله منه . وأقول بعد ذلك : لو كان قوله : ( مشرفا ) بمعنى عاليا ،
فليس يعم كل قبر ارتفع عن الأرض ولو بمقدار قليل ، فإنه لا يصدق عليه
القبر العالي ، فإن العلو في كل قبر إنما هو بالإضافة إلى سائر القبور ، فلا يبعد
أن يكون أمرا بتسوية القبور العالية فوق القدر المتعارف المعهود في ذلك
الزمان إلى حد المتعارف ، وقد أفتى جمع من العلماء بكراهة رفع القبر أزيد من
أربع أصابع . ولتخصيص الكراهة لو ثبتت بغير قبور الأنبياء والمصطفين من
الأولياء وجه .
الرابع : لو سلم أي دلالة في الرواية ، فلا ربط لها ببناء السقوف والقباب
ووجوب هدمها ، كما هو واضح . وأما قول السائل : إذا كان البناء في
مسبلة كالبقيع وهو مانع . . . إلى آخره . فقد أجاب بعض المعاصرين عنه بما
حاصله : أن أرض البقيع ليست وقفا ، بل هي باقية على إباحتها الأصلية ،
ولو شككنا في وقفيتها يكفينا استصحاب إباحتها .
وأقول : بل وقفيتها غير مانع عن البناء لأنها موقفة مقبرة على جميع
الشؤون المرعية في المقابر . ومنها : البناء على قبور أشخاص مخصوصين
الانتصار — صفحة 90
مساهمون: العاملي
ص٩٠