وهذا كلّه لا شبهة فيه ، وإنّما وقع البحث في جهتين :
الجهة الأولى :
ما هو الملاك في هذا الوجوب العقلي ؟
ويمكن أن يذكر في بيانه عدّة تقريبات :
أ - فهو إمّا بمناط لزوم دفع الضرر المحتمل « 1 » ، حيث إنّ في ترك التوبة احتمال ضرر عظيم وهو العقوبة الأخروية والعذاب الأليم ، فلأجل دفع هذا الاحتمال والتخلّص من العقاب المحتمل يستقلّ العقل بالتوبة والرجوع إليه تعالى « 2 » ؛ إذ مع التوبة يحرز ارتفاع ذلك الضرر المحتمل ؛ نظراً للوعد الإلهي بقبول التوبة .
ب - أو بمناط وجوب الندم على كلّ فعل قبيح أو الإخلال بالواجب ، ومرجعه إلى قاعدة الحسن والقبح العقليين « 3 » .
ج - أو كون المناط في حكم العقل ما ذكره علماء الأخلاق من أنّ الواجب العقلي هو ما يتوقّف عليه الوصول إلى السعادة الأبدية التي خُلق الإنسان لأجلها ، ولا ريب أنّه لا سعادة إلّافي لقاء اللَّه سبحانه والانس به ، ولا يبعّد عنه إلّااتّباع الشهوات والانس بالدنيا والانكباب عليها ، ومن المعلوم أنّ الانصراف عن الطريق المُبعِّد والاحتراز عمّا يوجب البُعد عن اللَّه تعالى واجب متحتّم للوصول إلى السعادة الأبدية التي خلق الإنسان لأجلها . ولا يتحقّق الانصراف إلّابالتوبة والرجوع إليه تعالى « 4 » .
د - أو بمناط لزوم شكر المنعم ، حيث إنّ التوبة إليه تعالى والرجوع عن عصيانه وتمرّده ومخالفة أوامره تكون مصداقاً لشكر المولى سبحانه وتداركاً لما اقترفه العبد العاصي « 5 » .
وذهب المحقّق الأصفهاني إلى أنّ العقل لا يستقلّ بلزوم شكر المنعم ووجوبه وإنّما يستقلّ بحسنه فقط ، وعليه فلا يكون وجوب التوبة عقلياً بالمناط الأخير ، بل إنّما هي واجبة وجوباً فطرياً ، باعتبار أنّ
هامش
( 1 ) تجريد الاعتقاد : 305 .
( 2 ) انظر : كشف المراد : 566 . القواعد الفقهية ( البجنوردي ) 7 : 333 .
( 3 ) مصباح الهدى 5 : 315 .
( 4 ) مصباح الهدى 5 : 315 .
( 5 ) انظر : مستمسك العروة 4 : 4 . القواعد الفقهية ( البجنوردي ) 7 : 334 - 335 .