وأمّا السنّة فلأنّ المستفاد من الروايات إنّما هو مشروعية التقليد فيما يرجع إلى الحلال والحرام أو معالم الدين ونحوها ممّا ورد في الأخبار ، ولا ينطبق شيء من ذلك على القواعد الأدبية أو الرجالية ؛ لوضوح عدم كونها من الحلال والحرام ولا من المعالم .
وأمّا السيرة فلأنّها وإن جرت على رجوع الجاهل إلى العالم ورجوع المجتهد إلى العالم بتلك القواعد أيضاً من رجوع الجاهل إلى العالم ، غير أنّ ذلك على إطلاقه ليس مورداً للسيرة أبداً ؛ لاختصاصها بالمسائل النظرية المحتاجة إلى التدقيق والاستدلال كما في الطبابة والهندسة وغيرهما .
وأمّا الأمور الحسّية التي لا يحتاج فيها إلى الدقّة والاستنباط فلم تقم فيها السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم ، وهذا كموت زيد وولادة ابنه ونحوهما ، فإنّه إذا علم بها أحد باجتهاده وحدسه لم يكن أيّ مجوّز لتقليده ؛ لأنّهما أمران حسّيان لا يحتاجان إلى الاستنباط والاجتهاد ، ولا سيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في مثلهما ، ومبادئ الاستنباط من هذا القبيل ؛ لأنّ القواعد الأدبية راجعة إلى إثبات الظهور وهو من الأمور الحسّية فإذا بنى اللغوي أو غيره على أنّ اللفظة المعيّنة ظاهرة في معنى كذا بحدسه واجتهاده لم يجز اتّباعه فيه ؛ لأنّه لا دليل على مشروعية التقليد في الأمور الحسّية كما لا دليل على حجّية قول اللغوي .
وكذلك الحال بالنسبة إلى علم الرجال ؛ لأنّ العدالة والوثاقة من الأمور المحسوسة والإخبار عنها حدساً ليس بمورد للتقليد أبداً « 1 » .
وأورد عليه : بأنّ استفادة الوثاقة أو العدالة من كلام شخص قد تكون صعبة بنحو لا يكون حينئذٍ من الأمور الحسّية أو القريبة منها ، بل يعتبر أن يكون من الأمور الحدسية التي يحتاج إلى النظر والتأمّل الكثير ، كما في استفادة توثيق رجال كامل الزيارات ممّا ورد في كلام مؤلّفه ابن قولويه في مقدّمة هذا الكتاب « 2 » .
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 413 - 415 .
( 2 ) انظر : الاجتهاد والتقليد ( الأردكاني ) : 22 - 23 .