حقائبك وشددت رحلك للسفر الطويل .
فلقد تهيأت لاعتلاء المطية البهية منذ اليوم الأول الذي به تكحلت عيناك
بذلك الفيض الذي من غار حراء ، دفقت عليك غموره .
ومنذ ذلك اليوم والدنيا تطأطئ رأسها بين يديك ، وتلقي بكل جبروتها تحت
نعليك .
ومنذ تلك اللحظة ، أصبحت خطواتك تتجه نحو الأقاصي ، لا تستوقفها
الأعاصير ، ولا تلهيها رغوات الزبد ؟
والدنيا التي قابلتها بخشونة كفك ، وصدفت عنها بشمم أنفك ، ورميت إليها
بطي كشحك هي اليوم التي ترنو إليك ، كأنها أدركت أنك أنعم وشي لبرودها ،
وأنك أطرى سحابة مرت تلطف النشفة في أجوائها . وأنك كنت أعقل معدل في
صماماتها ، تارة يطبق عليها الشح فتسد به على اختناق ، وطورا يغور بها البطر
فتحبل به على انفتاق .
وأنك كنت أجرأ من مد إلى خدها المبرج يدا فهتك عنه الأزرار ، ودخل
خدرها المنمق فمزق عنه الستار ، فإذا بالوجه السافر تفضح الشمس مساحيقه ،
وبالخدر المدلل المغطى بالسجف الوثيرة يتعرى عن كل مفاتنه الوبيئة .
وهكذا أخضعت الدمية الكبيرة ، وسلختها من أغلفة الأوهام لتلبسها
الثوب البسيط المعفف ، وسحقت عن أجفانها سقم المراود ، وعرضتها للنور
تستجمع منه مفاتن الكحل .
وإن الدنيا هذه إذ تخسر تحت عينيك بريقها الوابق ، تكتسب بين راحتيك
وهجها الدافق . . فإذا هي دروب آمنة الجوانب ، يتمشى عليها العابرون على
اتزان . . يحدوهم الشوق العفيف ، والأمل اللطيف ، والمسعى النظيف . . في سبيل
علي في الكتاب والسنة والأدب — صفحة 488
مساهمون: حسين الشاكري
ص٤٨٨