تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علي في الكتاب والسنة والأدب — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
بل لم يكن ليغيب عن فطنته أن معظم من أظلهم حلمه ووهبهم الحياة والحرية لن يلبثوا أن ينكصوا على الأعقاب فيقابلوه بالكفران دون الشكران ، وبالجحود دون العرفان ما إن تتاح لهم فرصة للتنكر وللتنمر . ومع ذلك فقد كان دائما يتوقى مدافعة الإساءة بالإساءة ، ومغلبة العيب بالعيب ، متنزها عن تناول سير شانئيه بالقدح والتجريح . وتلك لا ريب مكرمة تعز في الخلائق وتستعصي على أنفس البشر إلا من طهر الله قلبه من الغل ، وعصم لسانه وفمه عن نهش الجيف ، ولعق الأوحال . أما مواهبه وقدراته فأعسر على الإلمام والإحاطة . ألم تر كيف تدعيه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة ، وتتمسح فيه كل مدرسة فكرية تريد أن تفضل غيرها في ميادين الحكمة والعلم ، وتبز كل ما عداها من ذوات المذاهب والنظرات ؟ . . وهل ثمة بين العلماء من قد أوتي من بسطة العلم ما يبلغه من العلوم الربانية والبشرية مثل مبلغ الإمام ؟ وإنه لهو الذي - بعصارة ذهنه الملهم الخصيب - روى جذورها ، ونمى دوحها ، وقوى فروعها ، وخضر ورقها ، ونضر زهرها ، وأينع ثمرها ، وأدنى قطوفها . وكان ذا نظرة نفاذة ، وروح نقية ، وفكر عملاق . يتعمق ما انتهى إليه من معارف الذين سبقوه ، فلا يتقبلها على نفس وجهها ، ولا يختزنها في واعيته كخرنة المال إلا أن يعاير وينقد ، فيقر منها ما يقر ، ويضيف إليها ما يضيف ، أو يغير فيها ما يغير ، ويتأمل آيات الله في ملكوته ، فينبهر ويعتبر ويفكر ، ويشهد ظواهر الخلائق وخصائصها شهود متدبر يسير ويخبر ويفسر ، ويغوص في أغوار الأنفس ، مترحلا في خفاياها وهو يحل ويقدر ويبرر . فكره المتوقد النفاد أداته ، وروحه الشفيفة الصافية هاديه . أحاد بمعارف الأولين ، وارتاد للآخرين ، ممتثلا في كل