قال الشهيد الأوّل في مقام عدّ ما يفرّق به بين الحدّ والتعزير بأنّ التعزير « يتنوع إلى كونه على حقّ اللَّه تعالى كالكذب ، وعلى حقّ العبد محضاً كالشتم ، وعلى حقّهما كالجناية على صلحاء الموتى بالشتم ، ولا يمكن أن يكون الحدّ تارة لحقّ اللَّه ، وتارة لحقّ الآدمي ، بل الكلّ حقّ اللَّه تعالى إلّاالقذف على خلاف فيه » « 1 » .
وأقرّه على ذلك الفاضل المقداد إلّا أنّه تنظّر في بعض كلامه قائلًا : « كونه [ الشتم ] على حقّ العبد محضاً ممنوع ؛ لأنّه تعالى أمر بتعظيم المؤمن وحرّم إهانته ، فإذا فعل خلاف ذلك استحقّ التعزير » « 2 » .
نعم ، يتوقّف التعزير على مطالبة المستحقّ إلّاأنّه لا يلزم منه تمحّضه في حقّ العبد بالجواز كون حقّ العبد أغلب ، ويكون حقّ اللَّه سبحانه وتعالى من الصغائر التي تقع مكفّرة مع العفو من المستحقّ الآخر « 3 » .
وتظهر ثمرة هذا التقسيم في إقامة التعزير وإسقاطه ، فإنّ التعزير إذا كان حقّاً محضاً للفرد ، أو كان الغالب فيه حقّه توقّفت إقامته على مطالبة صاحب الحقّ .
وكذا لا يجوز إسقاطه بالعفو عنه من دون إذنه على أحد قولين كما سيأتي ، خلافاً لما إذا كان حقّاً محضاً للَّهتعالى أو كان الغالب فيه حقّه ، فإنّه لا تتوقّف إقامته على شيء ، ويجوز للحاكم إسقاطه .
وكذا تظهر ثمرته في إثبات موجب التعزير ، حيث إنّه لا تقبل الشهادة على الشهادة إلّافي حقوق الناس ، سواء كانت عقوبة كالقصاص أو غير عقوبة كالطلاق ، ولا تثبت الشهادة في حقّ اللَّه سبحانه وتعالى ، مختصاً كان أو مشتركاً على ما صرّح به الشهيد الثاني « 4 » .
وكذا الأمر في اليمين فإنّه - على ما صرّح به الفقهاء - يدخل في حقوق الناس ، ولا يدخل في حقّ اللَّه « 5 » .
هامش
( 1 ) القواعد والفوائد 2 : 144 .
( 2 ) نضد القواعد الفقهية : 473 .
( 3 ) نضد القواعد الفقهية : 473 - 474 .
( 4 ) اللمعة : 97 .
( 5 ) الوسيلة : 228 - 229 .