ومنها : مكاتبة محمّد بن عبد اللَّه بن جعفر الحميري ، أنّه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام : عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ، ولا يغتسلون من الجنابة ، وينسجون لنا ثياباً ، فهل تجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل ؟ فكتب إليه في الجواب : « لا بأس بالصلاة فيها » « 1 » .
ومنها : رواية أبي جميلة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، أنّه سأله عن ثوب المجوسي ، ألبسه واصلّي فيه ، قال : « نعم » ، قال : قلت : يشربون الخمر ؟ قال : « نعم ، نحن نشتري الثياب السابرية ، فنلبسها ولا نغسلها » « 2 » .
وعلى أيّ حال ، فالروايات الدالّة على طهارة أهل الكتاب وإن كانت معارضة لما دلّ من الروايات المتقدّمة إلّاأنّه يمكن الجمع بينها بحمل الروايات السابقة على الكراهة ؛ لأنّ العمدة فيها موثّقة سعيد الأعرج أو حسنته المشتملة على لفظ ( لا ) ، وصحيحة عليّ بن جعفر المتضمّنة لقوله عليه السلام : « فيغسله ثمّ يغتسل » الظاهرتان في النجاسة ، وهما مع ذلك قابلتان للحمل على الكراهة ، بخلاف الأخبار الأخيرة التي منها : صحيحة جابر المتقدّمة ؛ فإنّها صريحة في أنّ النهي عن مؤاكلة أهل الكتاب تنزيهي وليس تحريميّاً ، فلابدّ من حمل الروايات المتقدّمة على الكراهة ، وحمل الروايات الأخيرة على الطهارة بمقتضى الجمع العرفي ، بحمل الظاهر على النصّ « 3 » .
إلّاأنّ أكثر الفقهاء رفض هذه الطريقة من الجمع لسببين :
الأوّل : مخالفة الروايات الدالّة على الطهارة لكتاب اللَّه ؛ لقوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ »
« 4 » ، مع موافقة أخبار النجاسة للكتاب ؛ ولما ذهب إليه الفقهاء إلّا ما شذّ منهم « 5 » .
الثاني : موافقة أخبار الطهارة لمذهب الجمهور ؛ لأنّ جلّهم - إن لم نقل كلّهم - يعتقدون بطهارة الكتابي ، وكانوا
هامش
( 1 ) الوسائل 3 : 520 ، ب 73 من النجاسات ، ح 9
( 2 ) الوسائل 3 : 520 ، ب 73 من النجاسات ، ح 7
( 3 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 2 : 52 - 53 ، إلّاأنّه حمل في ( 54 ) ما دلّ على الطهارة على التقيّة
( 4 ) التوبة : 28
( 5 ) الحدائق 5 : 172 .