المعنى الأصولي للانصراف ، وهو انتقال ذهن السامع إلى أحد مصاديق اللفظ ومعانيه ، كما في انصراف لفظ العالم - في الأوساط الدينية - إلى عالم الدين .
ثانياً - الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
لم يتعرّض الفقهاء للانصراف بعنوانه في الأبحاث الفقهية بحيث تكون له خصوصية ، وما يمكن ذكره ما يلي :
تلقين الميّت بعد انصراف الناس عن دفنه :
يستحبّ تلقين الميّت بعد انصراف الناس عنه وبعد دفنه بلا خلاف في ذلك ، بل ادّعي عليه الإجماع . وهو التلقين الثالث بعد موته « 1 » ، فقد ورد في خبر جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليه السلام قال : « ما على أحدكم إذا دفن ميّته وسوّى عليه وانصرف عن قبره أن يتخلّف عند قبره ، ثمّ يقول : يا فلان بن فلان ، أنت على العهد الذي عهدناك به من شهادة أن لا إله إلّااللَّه ، وأنّ محمّداً رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام إمامك ، وفلان وفلان حتى تأتي على آخرهم ؛ فإنّه إذا فعل ذلك قال أحد الملكين لصاحبه : قد كفينا الوصول إليه ومسألتنا إيّاه ، فإنّه قد لقّن حجّته ، فينصرفان عنه ولا يدخلان إليه » « 2 » .
وليكن التلقين بأرفع الصوت « 3 » ؛ لقول الإمام الصادق عليه السلام : « ينبغي أن يتخلّف عند قبر الميّت أولى الناس به بعد انصراف الناس عنه ، ويقبض على التراب بكفّيه ويلقّنه برفيع صوته ، فإذا فعل ذلك كُفي الميّت المسألة في قبره » « 4 » .
ثالثاً - الانصراف عند الأصوليين :
يبحث الأصوليون الانصراف بمناسبة بحثهم الإطلاق والتقييد ، وأهمّ ما يذكرونه هناك ما يلي :
1 - تأثير الانصراف على التمسّك بالإطلاق :
من المعروف عند الأصوليين أنّه عندما يطلق المتكلّم كلامه ولا يقيّده بقيد - مع قدرته على التقييد وكونه في مقام البيان من هذه الجهة التي نلاحظ عدم ذكره للقيد فيها - يؤخذ بإطلاق كلامه ويحكم وفقه ، وتسمّى هذه الشروط ، أي عدم ذكر القيد ، وكونه في مقام البيان ، وقدرته على التقييد - بمقدّمات الحكمة .
وعند حديثهم عن عدم ذكر المتكلّم للقيد ذكر بعض الأصوليين أنّ انصراف اللفظ المطلق إلى بعض مصاديقه كالانصراف إلى بيض الدجاج عند إطلاق كلمة ( بيض ) ، يمنع من التمسّك بالإطلاق ، حتى لو كانت مقدّمات الحكمة متوفّرة فيه .
لكن هناك من رفض أن يكون هذا الكلام صحيحاً على إطلاقه مؤكّداً أنّه إنّما يصحّ إذا كان الانصراف ناشئاً من ظهور اللفظ في المقيّد ؛ بمعنى انصرافه إليه لكثرة استعماله فيه وشيوع إرادته منه ، فيكون بذلك كالمقيّد بالتقييد اللفظي ، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق ، بعد كونه في قوّة ذكر القيد ، فيختلّ بذلك أحد أركان مقدّمات الحكمة ، ومعه فلا يتمسّك بالإطلاق ؛ لكون مرجعه إلى أصالة الظهور .
هامش
( 1 ) المعتبر 1 : 303 . جواهر الكلام 4 : 324 .
( 2 ) الوسائل 3 : 201 ، ب 35 من الدفن ، ح 2 .
( 3 ) السرائر 1 : 165 . القواعد 1 : 233 . البيان : 79 . جامعالمقاصد 1 : 445 .
( 4 ) الوسائل 3 : 202 ، ب 35 من الدفن ، ح 3 .