وحيث تردّد أمر الإقالة في الفقه السني والشيعي في الغالب بين كونها فسخاً للعقد أو عقداً جديداً - أي بيعاً - لهذا حاول الفقهاء النقض على افتراض كونها بيعاً كما ذهب إليه بعض فقهاء الجمهور ، وجعلوا ذلك دليلًا على كونها فسخاً ، من هنا استدلوا بأنّها لو كانت بيعاً لجاز أن يكون للمتبايعين تغيير الثمن بنقصه وزيادته أو تأجيله وتعجيله ، وذلك على خلاف الإجماع .
وبأنّها لو كانت بيعاً لما صحّت في السلم ؛ لأنّ البيع لا يجوز في السلم قبل القبض .
وبأنّها لو كانت بيعاً لما صحّت فيما إذا اشترى رجل عبدين فمات أحدهما ؛ لأنّه لا يصحّ بيع الميّت مع الحيّ « 1 » .
وكذلك تصحّ الإقالة بعد تلف العينين ؛ فلو كانت بيعاً جديداً لما كانت صحيحة « 2 » . ولهذا لا يشترط فيها شرائط عقد البيع من الإيجاب والقبول والمقارنة وغيرها « 3 » .
بل قال بعضهم : قد يمنع كون الإقالة من العقود المصطلحة ، فضلًا عن أن تكون بيعاً ؛ ولذا لم يصرّح الأكثر - إن لم يكن الجميع - بكونها عقداً ، بل اقتصروا على أنّها فسخ . ثمّ استشهد لذلك بإطلاق بعضهم وقوعها بقول : ( تقايلنا ) و ( تفاسخنا ) الشامل لصورة التقارن ، بل صرّح آخر بوقوعها بذلك مع التقارن ، فلو كانت عقداً لوجب تقديم الإيجاب على القبول « 4 » .
وتشترك الإقالة مع العقود في وقوعها بتراضي الطرفين ، إلّاأنّ المنشأ فيها ليس هو الالتزام بشيء ، بل على العكس هي فكّ الالتزام الحاصل بالعقد « 5 » ، من هنا لم يعتبروها عقداً ، بل رفعٌ للعقد « 6 » .
كما قرّب بيان كونها فكّاً للالتزام لا إيجاداً له بأنّ العقود المعاوضية تجعل كل واحد من المتعاملين مالكاً لالتزام الآخر بالعقد ، والإقالة ليست سوى رفع المقيل يده عمّا يملكه من الالتزام عند الآخر ؛ ولهذا لا تكون تأسيساً لالتزام بل
هامش
( 1 ) الخلاف 3 : 205 - 206 ، م 13
( 2 ) مصباح الفقاهة 7 : 409
( 3 ) مجمع الفائدة 9 : 46
( 4 ) جواهر الكلام 24 : 354 - 355
( 5 ) انظر : المكاسب والبيع 1 : 264
( 6 ) مجمع الفائدة 9 : 46