الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرّغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنبا ، واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه . . .
وإلى هذا أشار عليه السّلام [ بقوله ] : « إنّه ليران على قلبي ، وإنّي لأستغفر بالنهار سبعين مرّة . . . » ، وقوله : « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين » » « 1 » .
وقد عدّ هذا أفضل ما تدفع به الشبهة « 2 » .
ومنها : أنّهم عليهم السّلام كانوا أبدا مترقّين في مراتب القرب والحبّ والعرفان والإيقان ، ولعلّه يحصل لهم ذلك في كلّ يوم سبعين مرّة وأكثر ، فلمّا صعدوا درجة استغفروا من الدرجة السابقة ، وإن كانت فوق تمنّيات جميع العارفين والواصلين « 3 » .
ومنها : أنّه لمّا كان الممكن وأعماله وأحواله كلّها في مراتب النقص وكلّ كمال حصل فيهم فهو من مفيض الخيرات والسعادات ، فإذا نظروا إلى عظمته سبحانه على ما تجلّت لهم في مراتب عرفانهم وإلى عجزهم عن الإتيان بما يليق بذاته القدسية عدّوا أنفسهم مقصّرين في المعرفة والعبادة ، فقالوا : سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك وما عبدناك حقّ عبادتك ، وأوقفوا أنفسهم الكاملة في حدّ التقصير ، واستغفروا لجميع ذلك من العليم الخبير « 4 » . وقد اعتبر المجلسي هذين الوجهين من أحسن الوجوه « 5 » .
ومنها : أنّهم عليهم السّلام أرادوا بالاستغفار من الذنوب تعليم الناس كيفيّة التوبة والاستغفار « 6 » .
ومنها : أنّ استغفارهم عليهم السّلام ينشأ من انقطاعهم إلى اللّه تعالى وخضوعهم وتذلّلهم بالعبادة والسجود من دون أن يكون لهم ذنب يحتاج إلى غفران « 7 » . فيكون استغفارهم - الذي هو أمر إنشائي - أدبا من آداب الخضوع والعبودية والتذلّل بين
هامش
( 1 ) كشف الغمّة 3 : 47 - 48 .
( 2 ) الأربعون حديثا ( البهائي ) : 312 .
( 3 ) مرآة العقول 12 : 155 .
( 4 ) مرآة العقول 12 : 155 .
( 5 ) مرآة العقول 12 : 155 .
( 6 ) انظر : التبيان 9 : 300 ، و 10 : 425 . مرآة العقول 11 :
308 . الأمثل 20 : 473 .
( 7 ) انظر : التبيان 8 : 33 . مجمع البيان 4 : 193 . زبدة البيان :
143 . مرآة العقول 12 : 154 .