يدفع به عن النفس الواجب حفظها « 1 » ، كما نصّ بعض فقهاء الإماميّة على : إنّ هذا الوجوب عيني إذا قدر عليه الشخص ؛ لقوله تعالى :
( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
« 2 » ، ولما تقدّم من الإجماع والأخبار ، وإن لم يقدر على ذلك وجب على الجميع كفاية ؛ لما سيأتي من أدلّة الدفاع عن الغير « 3 » .
واختلف فقهاء المذاهب في وجوب دفع المهاجم على النفس وما دونها ، فذهب الحنفيّة « 4 » ، والمالكيّة في الأصحّ « 5 » : إلى وجوب دفع المهاجم ( الصائل ) عن النفس ، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى :
( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
« 6 » ، فالاستسلام للمهاجم إلقاء بالنفس للتهلكة ، وعليه يكون الدفاع عنها واجباً ، وبقول الرسول صلى الله عليه وآله : « من قُتل دون دمه فهو شهيد » « 7 » .
وقال الشافعيّة : إن كان المعتدي كافراً ، والمعتدى عليه مسلماً ، وجب الدفاع ؛ وعلّلوا ذلك ؛ بأن الاستسلام للكافر ذلّ في الدين . وفي حكم الكافر ، كلّ مهدور الدم من المسلمين ، كالزاني المحصَن ، ونحو ذلك من الجنايات .
وإن كان المهاجم مسلماً غير مهدور الدم ، فلا يجب دفعه ، بل يجوز الاستسلام له ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله : « كن كابن آدم » « 8 » ، يعني هابيل .
ولهم في قباله قول آخر ، وهو : يجب دفع المهاجم مطلقاً ، أي سواء كان كافراً أو مسلماً ، معصوم الدم أو غير معصوم الدم ، آدمياً أو غير آدمي . واستدلّ على ذلك بآية التهلكة التي تقدّمت .
والقول الثالث عندهم هو : إذا كان المهاجم مجنوناً أو صبياً ، فلا يجوز الاستسلام لهما ؛ لأنّهما لا إثم عليهما كالبهيمة « 9 » .
وذهب الحنابلة إلى وجوب دفع المهاجم عن النفس في غير وقت الفتنة . واستدلّوا بآية التهلكة المتقدّمة ، وعلّلوا ذلك بأنّه كما يحرم على الشخص قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها ، أمّا في زمن
هامش
( 1 ) الروضة البهية 9 : 303 .
( 2 ) البقرة : 195 .
( 3 ) انظر : مهذّب الأحكام 28 : 158 .
( 4 ) حاشية ابن عابدين 5 : 351 .
( 5 ) مواهب الجليل 6 : 323 .
( 6 ) البقرة : 195 .
( 7 ) سنن الترمذي 4 : 30 .
( 8 ) سنن الترمذي 4 : 486 .
( 9 ) روضة الطالبين 10 : 188 . مغني المحتاج 4 : 195 . تحفة المحتاج 9 : 184 . حاشية الجمل 5 : 166 . نهاية المحتاج 8 : 23 .