وإنما يصحّ التشاور فيما إذا لم يرد فيه من الله ورسوله حكم فقد قال الله سبحانه :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً »
« 1 » .
ولا شكّ في أنّ أمر وصاية النبي ( ص ) وإمامة الأُمّة بعده من الأُمور التي لا يصحّ التشاور فيها كما سيأتي لذلك بيان آخر « 2 » .
وأما الروايات الدالّة على مطلوبية المشاورة ، ومبغوضية الاستبداد بالرأي فهي كثيرة منها : ما روي عن الإمام الصادق ( ع ) أنّه قال : « فيما أوصى به رسول الله ( ص ) علياً ( ع ) ، قال : لا مظاهرة أوثق من المشاورة ، ولا عقل كالتدبير » « 3 » .
وعنه ( ع ) أيضاً : « قيل : يا رسول الله ما الحزم ؟ قال : مشاورة ذوي الرأي واتّباعهم » « 4 » .
وعن الإمام علي ( ع ) : « لا وحدة أوحش من العجب . . . ولا مظاهرة أوثق من المشاورة » « 5 » .
وذكر بعض فقهاء المذاهب - بعد أن أورد الاستدلال بقوله تعالى :
« وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ . . . »
، وأنّه يقتضي الوجوب - بأن الأمر للنبي ( ص ) بالمشاورة ، أمر لأُمّته لتقتدي به ولا تراها منقصة ، كما مدحهم سبحانه وتعالى في قوله :
« وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ »
« 6 » .
ثالثاً - موارد الاستشارة :
يرى الإماميّة أنّ الاستشارة إنما تكون راجحة ومطلوبة عقلًا وشرعاً فيما يجوز فعله وتركه ، فالمباحات هي مورد الاستشارة دون غيرها من الواجبات ، والمحرّمات ، والمندوبات ، والمكروهات ، نعم الاستشارة في كيفية الإتيان بالواجب والمندوب راجحة ومطلوبة ، كما أنّ الاستشارة في كيفية ترك المحرّم والمكروه راجحة ومطلوبة عقلًا وشرعاً « 7 » .
وتتأكد الاستشارة في الأُمور الخطيرة : مثل : الإفتاء ، والقضاء ، وتدبير أُمور المجتمع ، ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 36 .
( 2 ) انظر : معالم المدرستين 1 : 168 - 169 .
( 3 ) وسائل الشيعة 12 : 39 ، ب 21 من أحكام العشرة ، ح 2 .
( 4 ) وسائل الشيعة 12 : 39 ، ب 21 من أحكام العشرة ، ح 1 .
( 5 ) نهج البلاغة : 488 ، الكتاب 113 .
( 6 ) الشورى : 38 . انظر : الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة 26 : 279 .
( 7 ) موسوعة الفقه الإسلامي 11 : 343 .