واشتدت متاعبهم ، ورحلوا من مكان إلى مكان نشدانا للعلم وسعيا وراء المعرفة .
وإذا كانت مدرسة الشيخ المفيد قد نشأت نشأتها الأولى في بغداد ، وإذا كان الشيخ المفيد عميدا لتلك المدرسة يبسط عليها ظله ويحوط طلابها برعايته ويمدهم بعلمه وإذا كان منار الهداية والارشاد في العراق ، فقد كان في الوقت نفسه يمد العالم الاسلامي كله بالدعاة إلى الخير والهداة إلى الفلاح .
ولست الان بسبيل الإحاطة بما اشتملت عليه دعوته في كل الارجاء ، بل سأكتفي بالإشارة إلى القطر الذي انتمي اليه وهو بلاد الشام .
لقد كنت في أول نشأتي وأنا أتتبع شعر الشعراء المبدعين ، قد قرأت لشاعر من أولئك الشعراء كان يعيش في مدينة صور احدى كبريات مدن جبل عامل . هو عبد المحسن الصوري قصيدة في رثاء الشيخ المفيد يقول فيها :
يا له طارقا من الحدثان * ألحق ابن النعمان بالنعمان
برئت ذمة المنون من الا * يمان لما اعتدت على الايمان
يطلب المفيد بعدك والاسما * ء تمضي فكيف تبقى المعاني
فجعة أصبحت تبلغ أهل الشآ * م صوت العويل من بغدان
وقرأت له قصيدة أخرى في رثائه يقول فيها :
تبارك من عم الأنام بفضله * وبالموت بين الخلق ساوى بعدله
مضى مستقلا بالعلوم محمد * وهيهات يأتينا الزمان بمثله
قرأت هذا الشعر للشاعر الصوري العاملي ، فاثار في نفسي يومذاك عجبا شديدا ، كيف تأتّى لشاعر يعيش في صور على ساحل البحر المتوسط وفي سفوح جبل عامل ان يكون منفعلا هذا الانفعال بموت عالم يعيش في بغداد .
والدنيا حينذاك لم تكن كما هي اليوم متقاربة الرقعة ، بحيث ان الانسان بقفزة واحدة ينتقل من دمشق إلى بغداد ، وبلمحة خاطفة يبلغه نبأ كل صغيرة