الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ، أن نظن إلا ظنا وما نحن
بمستيقنين ، اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ، وتظنون بالله
الظنونا ) * وغير ذلك من الآيات الدالة على النهي عن اتباع الظن ، فكيف
يكون طريقا في إثبات مسألة علمية وحكم عام يعم به البلوى ؟ لا يقال :
الشارع قد أمر باتباع الظن في قبول الشهادات والمسائل الفروعية . لأنا
نقول : العام إذا خص بدليل لا يخرج عن دلالته في ما عدا محل التخصيص .
الوجه الثامن عشر : لو ثبتت الإمامة بالاختيار لكان لمن يثبتها باختياره
أن يبطلها ويزيلها باختياره كما في الأمير والقاضي ، وإذا لم يعمل في إزالتها
علمنا أنه لا يعمل في ثبوتها ( 1 ) لا يقال : هلا كان الأمر فيها كالأمر في ولي
المرأة ، أنه يملك تزويجها ولا يملك فسخ العقد بعد التزويج ، لأنا نقول :
الفرق ظاهر فإن الشارع جعل لإزالة قيد النكاح سببا مخصوصا غير منوط
بنظر الولي ولا بنظر المرأة ، بل بالزوج بخلاف ولاية الإمامة فإنها منوطة
باختيار العامة لمصلحتهم على تقدير ثبوتها به .
الوجه التاسع عشر : لو كان لجماعة أن تولي الإمام لكان الإمام خليفة
لها على نفسها ، وليس للإنسان أن يستخلف على نفسه ، كما ليس له أن
يحكم لنفسه وهو يبطل الاختيار . لا يقال : هلا كان من ذلك كحدوث
حادثة للمجتهد ، فإذا اجتهد وعمل فإنه لا يكون ذلك حكما لنفسه أو على
نفسه بل يكون حكما لله وللرسول عليه السلام بشرط اجتهاده ، وكذلك
المختارون إذا اختاروا الإمام : لأنا نقول : الفرق ظاهر فإن حكم الله تعالى
هامش
( 1 ) قد يقال : إنه لا تلازم بين الاثبات والإزالة : فإن كثيرا من الهبات والعقود والايقاعات يقدر
المرء على إثباتها ولا يقدر على إزالتها ، نعم إلا بشروط خاصة ، ومثلها الإمامة بالاختيار ،
فإنه يمكن إزالتها أيضا بشروط خاصة ، كما إذا فسق أو كفر أو ما سوى مما يقتضي بعزلة ،
فثبوت الإمامة لا يلزم إزالتها على أنه يمكن أن يكونا معا بيد الأمة ، فكما كان الثبوت بشروط
تكون الإزالة أيضا بشروط ، نعم إنما تمنع أن يكون أصل ثبوتها بيد الأمة لبراهين تقدم شطر
منها ويأتي الشطر الآخر .