العقلي عن السمعي ، سلمنا لكن ترك الظلم ليس مصلحة دينية لا غير بل
هو مصلحة دينية ودنيوية لأن الاخلال به من التكاليف العقلية والسمعية ، سلمنا
لكنه يكون لطفا في أفعال القلوب ، فإن ترك القبيح لأجل الإمام ابتداء مما
يؤثر استعدادا تاما لتركه لقبحه .
النظر الثاني في كيفية الوجوب
والحق عندنا إن وجوب نصب الإمام عام في كل وقت وخالف في ذلك
فريقان أحدهما أبو بكر الأصم ( 1 ) وأصحابه فإنهم : ذهبوا إلى أن وجوبه
مخصوص بزمان الخوف وظهور الفتن ، ولا يجب مع الأمن وإنصاف الناس
بعضهم من بعض لعدم الحاجة إليه ، والفريق الثاني الفوطي ( 2 ) وأتباعه
فإنهم : ذهبوا إلى عدم وجوبه مع عدم الفتن ، فإنه
ربما كان نصبه سببا لزيادة الفتن واستنكافهم عنه ، وإنما يجب
عند العدل والأمن إذ هو أقرب إلى شعائر الإسلام ، لنا دلالة الأدلة الدالة
على وجوبه على عمومها ، إذ مع الإنصاف والأمن يجوز الخطأ ، ويحتاج إلى
حفظ الشرع وإقامة الحدود ، فيجب الإمام . ومع ظهور الفتن الخطأ واقع
فالمكلف إلى اللطف يكون أحوج ( 3 ) .
هامش
( 1 ) أحد رؤساء المعتزلة وأهل المقالات فيهم .
( 2 ) هشام بن عمر الفوطي كانا من أرباب المقالات ، وله فئة وأتباع وكان في عصر المأمون .
( 3 ) إن الذي أوقع هذين الفريقين في الخطأ : زعمهم أن حاجة الناس إلى الإمام محدودة وفاتهم
إن في الناس حاجة دائمة إلى الإمام ، إذ لا يراد من الإمام صد الناس عن الفتن والفساد
فحسب ، بل يراد منه أيضا أن يدل الناس على الهدى ويعلمهم شرائع الإسلام كما جاء بها
صاحب الشريعة ، ويحفظ الشريعة عن التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان إلى غير
ذلك ، ومتى تحصل الأمة على ذلك بدون إمام معصوم ؟ مع ما هم عليه من الجهل بالشريعة
والدين والخطأ عمدا وسهوا .