ووجع كلوم جراحهم ، وإذا مرّوا باية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وأبصارهم ، فاقشعرّت منها جلودهم ، ووجلت منها قلوبهم ، فظنّوا أنّ صهيل جهنّم وزفيرها وشهيقها في أصول آذانهم ، وإذا مرّوا باية فيها تشويق ركنوا إليها « 1 » طمعا ، وتطلّعت أنفسهم إليها شوقا ، وظنّوا « 2 » أنّها نصب أعينهم ، جاثين على أوساطهم « 3 » ، يمجّدون جبّارا عظيما ، مفترشين جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون « 4 » إلى اللّه في فكاك رقابهم .
أمّا النهار فحلماء علماء ، بررة أتقياء ، قد براهم الخوف « 5 » فهم أمثال القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، أو يقول : قد خولطوا ،
هامش
- وثار الغبار : إذا سطح وهاج ، وثار القطا : إذا نهضت من موضعها ، وأثار الغبار واستثاره :
هيّجه ، ولعلّ المراد بالدواء العلم وبالداء الجهل ، واستثارة العلم بالتدبّر والتذكّر . . . وقال الوالد قدّس سرّه : المراد أنّهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الّذي كاد أن يبلغ حدّ الاغترار والأمن لمكر اللّه ، وبآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط ، وبما يستكمل اليقين داء الشبهة ، وبالعبر داء القسوة ، وبما ينفّر عن الدنيا والميل إليها داء الرغبة فيها ونحو ذلك .
( بحار الأنوار : 67 : 323 ) .
( 1 ) ركن إليه : مال إليه وسكن . واعتمد عليه .
( 2 ) « تطلّعت أنفسهم إليها » قال الكيدري : أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم أبدانهم ، فتصعد إلى العالم العلوي ، شوقا إلى ما وعدوا به في تلك الآيات .
وقال الراوندي : الظنّ هنا بمعنى اليقين ، قال تعالى :أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ[ سورة المطفّفين : 4 ] أي أيقنوا أنّ الجنّة معدّة لهم بين أيديهم . وقال ابن أبي الحديد : ويمكن أن يكون على حقيقته . ( البحار : 67 : 323 - 324 ) .
( 3 ) في النهج : « فهم حانون على أوساطهم » .
( 4 ) جأر : رفع صوته . وجأر إلى اللّه : تضرّع واستغاث .
وفي النهج : « يطلبون » .
( 5 ) « قد براهم الخوف » أي أنضاهم وأنحفهم .